Home > Press Articles > السفيرة البريطانية في سجن رومية: لبنان هو الأسوأ من حيث الاكتظاظ… أنا مصدومة المساجين والعلاج بالدراما مع دكاش: حيوات الماضي العديدة والحاضر الواحد

السفيرة البريطانية في سجن رومية: لبنان هو الأسوأ من حيث الاكتظاظ… أنا مصدومة المساجين والعلاج بالدراما مع دكاش: حيوات الماضي العديدة والحاضر الواحد

جريدة السفير، تاريخ 9 نيسان 2010.

جهينة خالدية

المرأة، صاحبة الضفيرة السوداء، والحلي الذهبية الصغيرة، تتأمل الوجوه وتلك الكلمات القاسية الخارجة من الأفواه. تستمع لماضٍ سحيق وآخر قريب، وشرح عن آلام الجسد والنفس، وتذمر عن واقع مذرٍ داخل جدران رمادية… كحياتهم تماماً.
المرأة، بتواضعها تلعب مع السجناء وتهرول في القاعة عندما يطلب منها. تسأل وتستعلم، وتجيب وتعود لتكرر: «أنا في حالة صدمة مما أسمع وأرى وألمس». هذه هي السفيرة البريطانية فرانسيس غاي، التي تختار لنفسها كرسياً بلاستيكياً بين عشرات السجناء الملتفين حولها، هنا في سجن رومية. غاي وإلى جانبها سفيرة النرويج أود ليس نورهايم تشاركان في جلسة «للعلاج بالدراما» مع المخرجة زينة دكاش.
السفيرة البريطانية هنا لترى عن كثب، «سوء الأوضاع داخل السجون اللبنانية، والحياة الحقيقية واليومية لسكانها ولمقاربة الحاجات اللازمة وطرق المساعدة». لكن عندما تجد جوابها على سؤال لـ»السفير» عاماً، تحاول العودة لملاحظات جمعتها فوق قصاصة ورق لم تعد تتسع لكلمات كثيرة: «أنا هنا، لأعرف الأمور عن كثب».
هل نالت غايتها بعد ساعتين من الألعاب النفسية والأسئلة والأجوبة والاختبارات الذاتية التي طبقتها دكاش على كل الحاضرين، تجيب غاي «بعد هذه الجلسة، أجزم أنا لست متفاجئة، بل أنا تحت وقع الصدمة. هذه ليست زيارتي الأولى لســجون عملت فيها، بل سبق أن زرت سجون اليمن وتايلند وإثـــيوبيا والسودان وكل منها يعاني من مشكلات عدة كالإكتظــاظ وبعض الفوضى إنما لبنان هو الأسوأ في هذا الإطار!».
الجملة هذه، عادت السفيرة بعد نهارها الطويل، لتكتبها على مدونتها الإلكترونية لتروي يوماً في السجن… تعود بعده «لتقدر نعمة الحرية في سمائها».
تحكي السفيرة مع السجناء عن «أبعد مما يتعلق بالوضع المعيشي للسجناء، ماذا عن الوضع الصحي، الطبابة، سرعة تنفيذ الأحكام وتعديل القوانين؟ كيف يمكن أن أسمع أن أكثر من ستين في المئة من الموقوفين في السجون اللبنانية، غير محكومين حتى اللحظة؟». هذه الأسئلة كلها، تكتبها غاي، لتحملها إلى الوزراء المعنيين… عسى أن تجد بعض الأجوبة.
أما كيف يمكن المساعدة، فهي تقول إنه «من حيث المبدأ هناك مساعدات بملايين من اليورو من الإتحاد الأوروبي منحت في السنوات الثلاث الأخيرة لتدعم قطاع العدل وحقوق الإنسان… يجب أن ندقق أين وكيف تصرف هذه الأموال، وما الذي يساهم منها في تخفيف عبء الوضع هنا».
جلسة العلاج بالدراما التي خضع لها الضيوف أمس الأول، وتأتي في إطار مشروع «العلاج بالدراما في السجن، منصة فنية جديدة»، الذي ينفذه «كثارسيس – المركز اللبناني للعلاج بالدراما» (تديره تنفيذياً زينة دكاش). وتموله السفارة الإيطالية – مكتب التعاون للتنمية ضمن برنامج الطوارئ (ROSS)، بالتعاون مع وزارتي العدل والداخلية والبلديات، كانت أشبه بنافذة صغيرة إلى عالم هؤلاء السجناء الذين يحملون حيوات ماضية مختلفة… وحاضراً واحداً. وإن لم تكن كافية لغاي، لترى بأم العين غرف مبيت السجناء وقاعات طعامهم (إن وجدت) وأروقة مبانيهم… فهي هنا داخل القاعة التي حضنت تدريبات وعروض مسرحية دكاش «12 لبناني غاضب»، بعيدة تماماً عن ما تحجبه تلك النوافذ المطلة على الباحة التي يسكنها السجناء. وها هي تعترض، «كنت أظن أني سأرى أكثر، ماذا في الداخل؟ كيف تنامون؟ أين تأكلون؟» تصيغ جملها بعربية صحيحة موجهة مباشرة إلى الشباب والرجال المحيطين بها. وتأتيها الأجوبة دقيقة: «السجن معد ليستوعب ألفاً وخمسين سجينا ويضم نحو أربعة آلاف. وبعض الغرف ضيقة جداً ولا يتعدى طولها أربعة أمتار وعرضها مترين وأربعين سنتمتراً…». إنما المشاكل هذه، بحسب ما يذكرون بأنفسم لا تقارن بشيء من مأساة أكبر يعيش بعض السجناء تحت وقعها… منها مثلاً عدم شمولية القانون 463 لتخفيف سنوات العقوبة، للسجناء المحكومين بالمؤبد… هؤلاء مثلاً لا يمكن لأي قانون أن ينصفهم يوماً ما، حتى لو كان سلوكهم على مدى عشرين سنة جيد جداً، لاسيما بعد إلغاء المادة 173 من قانون العقوبات التي كانت تجيز بالتقدم بطلب للقاضي لدراسة سلوكه.
في فضاء الغرفة التي يدور فيها نقاشات غير اعتيادية للسجناء مع السفراء، تسمع بين الجملة والأخرى اسماً واحداً يتكرر عشرات المرات: زينة. هي المخرجة التي قد يظن أي قارئ لم يشاهد بأم العين جهودها المبذولة في مشروعها الجبار، ولم يتعرف إلى صبرها الغريب، أنه يتم المبالغة بتصوير عملها. مخطئ من يظن أن عمل دكاش انتهى مع مسرحية «12 لبناني غاضب». كانت تلك البداية التي جمعت نحو أربعين مشاركاً. أما اليوم، فدكاش تواجه معركة وتحدياً يوميا محاولة الدخول إلى حيوات أكثر من مئة وخمسين سجيناً يشاركون في علاجات بالدراما. وهو ما يعتبر واحد من المشاريع التي تساهم في تخفيف معاناة هؤلاء، إضافة إلى ما تذكر به دكاش من «المباشرة في تنفيذ القانون 463 بفضل جهود وزارتي العدل والداخلية، إضافة إلى مشروع وزارة الداخلية «إنسان بالرغم من القضبان».
من يستمع جيداً لما يقوله السجناء يفهم بسرعة أن دكاش بالنسبة لهم هي أمل شبه وحيد وسط صمتهم وأحكامهم المؤبدة أو المؤقتة هنا. فهي: «جعلتنا نشعر بإنسانيتنا، بأننا بشر وكائنات حية نُسأل عن حاجاتنا ومشاعرنا وهمومنا وحتى ماضينا»، وهي التي «قبلها كنا نردد: إذا ما كان السجن لا يصلحنا، ولا يطببنا، ولا يؤوينا… فلماذا نسجن؟»… وهي التي «أتتنا من أحلام اليقظة… وجعلتني وكأنني إنسان من جديد».
وإن كان ليس كل ما يقال يكتب، وإن كان لا يمكن حل الكثير من المعاناة في السجون من باب الدراما، لكن المؤكد أن جهد هذه المخرجة، جعل عصمت يتوقف عن التفكير بقتل نفسه، بعد أن «حاول أكثر من مرة وما ظبطت»! ودفعت السجين السوري الجنسية يطالب «بنسخة سورية من زينة».
وسط كل هذا، لا يصعب تقييم تجربة مستمرة، كلام هؤلاء لا يحتاج إلى كثير من التحليل، فقسم منهم من عاد ليراجع ماضيه، ليندم، أو يعتزم التصحيح وإصلاح الذات، بعد الخضوع لنوع من التأهيل خارج دائرة النسيان. وإن كان الأكيد أن قسماً آخر مازال يبحث عن سبب دفعه نحو خطيئته وشخص ليلومه على فعلته. وقسم ثالث يفكر برد فعل، عندما يرى النور خارج السجن… وكأن سجنه لم يكن أكثر من إقامة غير مريحة فقط، بلا أن يقارب العلاج أو أي شيء من الإصلاح… بل ربما رداءة سجنه وتعرفه إلى تجارب أكثر إجراماً، «غذت» نقمته أكثر… ليتخرج بـ»جدارة» أكثر. هذا ما يقوله أحد السجناء في العلن… وهذا يجيب على سؤال أساس «هل تخرّج السجون اللبنانية «طاقات» أكثر إحترافاً للجريمة؟

Advertisements
Categories: Press Articles
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: