Home > Press Articles > اللاجئون العراقيون يقبعون في محطة الانتظار اللبنانية .

اللاجئون العراقيون يقبعون في محطة الانتظار اللبنانية .

جريدة النهار، تاريخ 29 نيسان 2010

اللاجئون العراقيون في لبنان، فقراء، اقامة معظمهم غير شرعية، دفعتهم اوضاع بلدهم الصعبة الى البحث عن الأمان والاستقرار المؤقتين بعيدا من مسلسل الترهيب والاضطهاد والعنف المتمادي في العراق، وهم يحاولون ان يتخطوا تجربة الرحيل من وطنهم خالي الوفاض الا من الأمل في الحصول على لجوء الى بلد اكثر استقرارا. يعيشون الانتظار في بلد لم يوقع على اتفاق اللجوء لاسباب سياسية. ينتظرون في لبنان كلمة الفصل، اما الترحيل الى بلد ثالث، ما يشكل ولادة جديدة لهم، ومستقبلا قلقا مليئا بتحديات الاندماج الثقافي واللغوي والعلمي، أو العودة الى نقطة الصفر والترحيل الى العراق ثانية، حيث استنفدوا كل “جنى العمر”… وهنا الالم الكبير.

تتشابه قصص اللاجئين العراقيين لناحية ظروف اللجوء وظروف الاقامة في لبنان. انها قصص الخطف والتهويل والاضطهاد التي عاشوها قبل القرار الكبير المرّ بترك كل شيء وراءهم والهرب نحو المجهول الذي يبقى بالنسبة اليهم افضل من المصير الذي سيلقونه حتما اذا ما اصروا على البقاء في ارضهم.
نجم، رجل خمسيني، هرب مع عائلته بعدما تعرض اولاده للضرب والاعتداء بسبب انتمائهم الديني. يشرح ان الرجوع الى العراق صعب: “لقد تعرض اولادي للضرب، وقتل اولاد اختي وترك القتلة رسالة واضحة تناقلتها كل وسائل الاعلام “ان هذا ما سيكون عليه مصير المسيحيين الخونة”، فكيف لنا ان نستمر في العيش هناك؟”. قرار الفرار الى لبنان لم يكن خيارا، وهم يعرفون ان ظروف اللجوء الى لبنان دونها صعوبات ومطبات كثيرة، اكان لناحية الدخول بطرق غير شرعية او لجهة ظروف العيش. يحبون لبنان، ربما لانه في متخيلهم بلد الاقليات المضطهدة الى اي طائفة انتمت، وهو في متخيلهم ايضا بلد تتوافر فيه فرص العمل اكثر من البلدان المحيطة بالعراق، مثل الاردن وسوريا…
لكن سوء الطالع واكب العراقيين منذ زمن، فلا التاريخ خدمهم، على رغم كل الازدهار الذي عرفته بلاد ما بين النهرين، ولا ثروات البلاد، التي زادت الاطماع الخارجية بها، خدمتهم، ولا أيضاً معادلة “اما الامن تحت قبضة ديكتاتورية الحزب العلماني او الفوضى والقتل وشريعة الطوائف المتناحرة”. وفي ظروفهم الحالية لم تخدمهم الجغرافيا ايضا، فالبلدان العربية المجاورة لم توقع على بروتوكول اللجوء، كما انها لا تزال تعالج آثار النكبة الفلسطينية، انها نكبة التعصب الديني الاعمى في هذا الشرق.
لبنان بلد الاقليات في مطلع القرن الماضي، هو اليوم البلد “المحطة”. في انتظار الترحيل.

أولوية الأمن

والمهم اليوم لدى العائلات العراقية اللاجئة الى لبنان هو الاستقرار والأمن، ولا يهم كيف تكون ظروف العيش في لبنان. ورغم ما يسمعونه عن ظروف المنتقلين الى بلد آخر لناحية البطالة وصعوبة العيش، الا ان مطلبهم الوحيد يبقى الامن. يتمنون لو ان الدولة اللبنانية تنظر في اوضاعهم وتسوّي اقامتهم، لا سيما ان ظروف الانتقال الى لبنان حرّكتها ظروف قاهرة. ويحاول العراقيون ان يعيدوا بناء حياتهم في شكل شبه طبيعي، كأن يسعوا لايجاد عمل وتنظيم حياتهم اجتماعيا واقتصاديا وفق ما يتيسر، وأن يرتاد بعض من اولادهم المدارس. يقول نجم: “يذهب احفادي الى المدرسة، وهم يتابعون بعد الدوام برنامجا خاصا لرفع مستواهم، الا اننا نلاحظ الفرق بين مدرسة واخرى”. ففي حالتهم لا تتابع المدرسة التي يرتادها احفاده اوضاعهم، فعندما يتغيبون لا احد يسأل، خلافا لمدارس اخرى يرتادها اولاد عراقيون يعيشون في الحي نفسه.
في ابنية متلاصقة تتكئ على بعضها، تفصل بينها ازقة صغيرة، في احدى نقاط تجمعهم، اخذ اللاجئون العراقيون يبنون مجتمعهم الصغير بعيدا عن الوطن. انه يوم مدرسة عادي، غير ان هناك اولادا صغارا يلهون في تلك الازقة. انه يوم عمل عادي ايضا، غير ان بعض الرجال الذين لم يجدوا بعد عملا لهم يتسامرون في مقهى مجاور. و ما ان لمحوا سيدة تعمل في احدى الجمعيات الخيرية التي تعنى بشؤونهم حتى تحلقوا حولها لسؤالها عن جديد تحمله اليهم. اغلبية، ان لم نقل جميع اللاجئين، هم في انتظار مستقبل غامض ربما يحملهم الى بلد آخر. نسأل النساء في الحي ماذا ينتظرن؟ الجميع في انتظار رسائل ستصلهم على هاتفهم الجوال من مفوضية الامم المتحدة للاجئين لتخبرهم فيه عن اوضاع طلبات اللجوء التي يتقدمون بها عندما يصلون الى لبنان.
تخبرنا مفيدة انها وصلت الى لبنان منذ سنة تقريبا في اول محطة لعائلتها. بعد الوصول تم التسجيل في مفوضية اللاجئين وتحديد موعد للمقابلة. تتابع مفيدة: “عشنا في الانتظار ستة اشهر حتى حان موعد المقابلة الاولى لطلب اللجوء الى بلد آخر وفيها تم سؤالنا عن اوضاعنا والبيانات العائلية… ونحن اليوم ننتظر موعد المقابلة الثانية التي سنسأل فيها الى اي بلد نرغب طلب اللجوء”. وتقول: “نحن نريد الذهاب الى اي بلد يؤمن لنا الاستقرار”.
القصص كثيرة في تجمعات اللاجئين، هناك عائلات تبلغت موعد سفرها الى بلد اللجوء بعد انتظار سنتين ومنهم من تتسهل اموره فلا ينتظر اكثر من ستة اشهر. يخبرنا كاظم بفرحة تشوبها غصة عن جيرانه الذين وصلهم موعد سفرهم الى بلد اللجوء غير ان هذه العائلة تعيش اليوم لحظات صعبة، اذ القي القبض على احد ابنائها بتهمة الاقامة غير الشرعية في لبنان.

في الانتظار

ولكن ماذا تفعل تلك العائلات في مرحلة الانتظار؟ يسعى الجميع الى الحصول على عمل يساعدهم في تأمين متطلبات الضرورة، اذ تحتاج العائلة في الحد الادنى الى 500 دولار اميركي لتؤمن حاجاتها الحيوية البسيطة. يعملون في المعامل، محطات البنزين، السوبرماركت، وعمالا يوميين، ونواطير في ابنية… غير ان هؤلاء العمال يتعرضون للاستغلال والابتزاز من قبل ارباب عملهم بسبب اقاماتهم غير الشرعية. ويقول الدكتور جورج عزّو، امين عام الجمعية الخيرية الكلدانية، انهم رصدوا حالات استغلال كثيرة في اماكن العمل، ولا سيما للاولاد الذين يعملون بـ 100 الف ليرة شهريا في اعمال صعبة. فهناك من يستغل فقر تلك العائلات واوضاعهم غير الشرعية. ويشرح عزّو ان الجمعية تعمل على تأمين متطلبات العائلات التي تسجلت في مقر المطرانية الكلدانية في الحازمية حيث تلجأ اليها تلك العائلات عند وصولها الى لبنان لتسهل لها ترتيب امورها، “وقد استحدثنا مكتبا خاصا لتوثيق الحالات الاجتماعية والصحية حتى نتمكن من تلبية حاجاتها. ولدينا برامج متخصصة تطال مختلف النواحي، ونحن نتعاون مع مفوصية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجهات اخرى مثل كاريتاس ومجلس كنائس الشرق الاوسط لنؤمن حاجات تلك العائلات”. من جهتها تقول سميرة قصارجي، مرشدة اجتماعية تعمل مع الجمعية الخيرية الكلدانية، ” في زياراتي الميدانية الاسبوعية أستطلع حاجاتهم واحاول ان اعمل على تأمين توزيع عادل لاكثر العائلات حاجة ولاسيما تلك التي فقدت معيلها. اوضاعهم صعبة جدا، والحل ان يتم ترحيلهم الى بلد اللجوء في وقت قصير حتى لا تطول معاناتهم في فترة الانتظار. ورغم اعتقاد اللاجئين ان فرص العمل متوافرة لهم في السوق اللبناني الا انهم يتعرضون للاستغلال”.
وفي حديثه، أكثر ما يشدد عليه عزّو الصفات التي يتحلى بها الشعب العراقي ويقول: ” هم مسالمون واغلب العائلات التي تصل هي عائلات محافظة ومسالمة ولديهم ايمان كبير لا يريدون ان يتخلوا عنه”. ويلفت الى ان اغلب العائلات التي تصل اليوم هم من الذين استنفدوا كل خميرتهم في العراق وتعرضوا للاضطهاد، ولا يمكن ان ننفي التعرض المباشر للمسيحيين في العراق وقد دمرت كنائس وقتل رجال دين فلم يعد امامهم الكثير من الخيارات.

مساعدات وبرامج دعم

هناك جهات عدة تعمل على مساعدة اللاجئين العراقيين ومنها كاريتاس – المهاجرين. تشرح ايزابيل سعاده، مسؤولة وحدة اللاجئين العراقيين، الوضع وتقول: “نحن نعمل مع اللاجئين العراقيين منذ ما قبل العام 2002. لدينا ستة مراكز تهتم بهم موزعة على مناطق طرابلس، الغازية، زحلة، سن الفيل، سد البوشرية والضاحية الجنوبية. ليست لدينا احصاءات عن عدد اللاجئين، ولكن نحن نهتم بـ 2000 عائلة، اي ما يقارب 9600 شخص ينتمون الى طوائف متعددة، الا ان الاكثرية التي تصل الى لبنان هي من المسيحيين. منذ العام 1998 هناك عراقيون في لبنان، ولكن منذ العام 2002 ومع سقوط نظام صدام حسين، اخذت الاعداد تتزايد لاسيما بعد العام 2008 مع اغتيال المطران شبو”. وتتابع: “يصل اغلب اللاجئين العراقيين اليوم بطرق شرعية، اي عبر فيزا سياحية لمدة شهرين وما ان تنتهي صلاحيتها حتى تصبح اقامتهم غير شرعية. ونحن نلاحظ انه تصل 30 عائلة جديدة كل شهر، وهم عائلات فقيرة انتظروا الى اليوم ليغادروا العراق لان امكاناتهم المادية لم تسمح لهم، فكان عليهم ان يدخروا حتى يتمكنوا من المغادرة. وهم لم يعد في امكانهم العيش في العراق في ظل ظروف صعبة جدا. ويأتون الى لبنان حيث ايضا تكون ظروف اقامتهم صعبة، غير ان اكثر ما يرددونه “على الاقل نشعر بالأمان”. وتشرح سعاده انه على رغم ان اقامتهم غير شرعية الا ان الاستقرار الموقت يريحهم من الخوف.
اما كيف تتم مساعدتهم؟ تقول سعاده: “نحن نؤمن لهم الامور الاساسية، نساعدهم على دفع بدل الايجار ونقدم لهم مواد غذائية ومساعدات طبية وادوية ونغطي الاستشفاء بنسبة 85 في المئة للعمليات الاولية. كما نؤمن الدعم النفسي، لاسيما ان اغلبهم يعيشون في خوف نتيجة تعرضهم لصدمات نفسية، فمنهم من قتل افراد عائلته وتعرض للترهيب… لدينا برامج تثقيفية تساعدهم على رفع قدراتهم”. وتولي كاريتاس ايضا اهتماما بالشق القانوني، اذ تقدم خدمات المتابعة القانونية لملفات اللاجئين العراقيين الذين يتعرضون للملاحقة بسبب اقامتهم غير الشرعية. “لقد استطعنا ما بين عامي 2008 و2009 عبر حملة مناصرة مع الحكومة اللبنانية ان نقنعها بضرورة ان تكون هناك تسويات لاوضاع اللاجئين العراقيين، وان تتفهم اوضاع من القي القبض عليه بتهمة الاقامة غير الشرعية، فيتم اخلاء سبيله مع اعطائه حق الاقامة لتسعة اشهر على ان يتدبر خلالها كفيلا ليمدد اقامته الشرعية في لبنان. وقد ساعدت كاريتاس العائلات في دفع هذه التسويات”.
اما الشق الذي يتعلق بدراسة اولاد تلك العائلات فقد استحدثت كاريتاس وحدة للدعم المدرسي، وتقول سعاده: “قدّمنا في مطلع العام الدراسي مساعدات لكل ولد تسجل في المدرسة، تضم شنطة مدرسية ومبلغ 100 دولار لشراء الملابس والكتب”. وتشرح انه في هذا الاطار تعاونت مفوضية اللاجئين مع وزارة التربية لتسهيل انتساب اولاد اللاجئين العراقيين الى المدارس، وقد التحق ثلثهم بالمدارس الرسمية، والبقية التحقت بمدارس شبه مجانية، اذ ان المدرسة الرسمية تعطي الاولوية للبنانيين. وقد تمت مساعدة هؤلاء الاولاد بمبلغ 400 دولار اعطي على دفعات عدة بعدما تم التأكد من التحاقهم بالمدرسة.

إعادة التوطين

هل اصبحت اليوم ظروف اللاجئين افضل؟ تقول سعاده ان السلطات تعرف اين هي نقاط تجمعهم، وليس هناك من توقيفات عشوائية، اذ ان السبب في توقيف من يتم توقيفهم هو جرائم ارتكبوها، كما ان هناك من يوقف بسبب اقامته غير الشرعية.
ما هو الحل؟ تجيب سعاده انه عبر ما يسمعونه من الذين تم ترحيلهم الى بلد ثالث، انهم يواجهون تحديات كثيرة وصعوبات لاسيما ثقافية ولغوية. بالنسبة الينا نحن نعتقد ان افضل حل لهم هو العودة الى وطنهم، ولكن طبعا في حال توافرت ظروف الاستقرار والامن، اذ نلاحظ تشتتاً بين العائلات التي اصبح كل فرد منها في بلد. كما يواجه الشباب مشكلة الاندماج المدرسي، اذ ان مستويات التعليم تختلف كثيرا ما بين العراق ولبنان وحتى البلدان المضيفة. عندما نسألهم عن الحل الافضل الذي يرونه لمستقبلهم يعتقد أكثرهم ان اعادة التوطين هي الحل الانسب من دون التفكير في تحدياتها. قلة فقط ترغب في العودة الى العراق. وهم قد يكونون على حق لانهم تعرضوا الى ترهيب حقيقي ورسائل تهديد صريحة تلقوها في منازلهم.
اليوم ما من ارقام دقيقة لعدد اللاجئين العراقيين. هناك تقديرات ترددها اكثر من جهة انه قد يكون عددهم يناهز الـ 50 الفا. غير ان ما تسجله قوائم مفوضية الامم المتحدة للاجئين الى اليوم بلغ حوالى 9500 طالب لجوء تعمل المفوضية من اجل اعادة توطينهم، اي تسهيل سفرهم الى بلد ثالث. وقد استطاعت المفوضية وفق بياناتها ان تعيد توطين 6500 لاجئ في كل من الولايات المتحدة، استراليا، كندا، السويد وبلدان اوروبية اخرى. وفي العام 2009 اعيد توطين اكثر من 2600 لاجئ، والمفوضية تلتزم المحافظة على هذه النسبة في السنين الحالية والمقبلة. وتواصل المفوضية عملها مع الدولة اللبنانية لايجاد وسيلة للاعتراف باللاجئين في لبنان قانونيا، مع الاخذ في الاعتبار هواجس الحكومية اللبنانية. ويبقى هناك امل مع مناقشة واقرار الخطة الوطنية لحقوق الانسان ان يصبح لبنان اكثر انفتاحا على توفير البقاء المؤقت لمن هم بحاجة ماسة للحماية، على ما تورده
المفوضية.

Advertisements
Categories: Press Articles
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: