Home > Press Articles > لبنان «يتناسى» توقيعه على اتفاقيات حقوق الإنسان ويطبق قوانين هرمة فـي «بلـد الضيافـة» والحريـات سـوط وسـجن وترحيـل لكـل لاجـئ

لبنان «يتناسى» توقيعه على اتفاقيات حقوق الإنسان ويطبق قوانين هرمة فـي «بلـد الضيافـة» والحريـات سـوط وسـجن وترحيـل لكـل لاجـئ

جريدة السفير، تاريخ 14كانون الاول 2009.

مادونا سمعان

في الليالي الحالكة، يعبر الحدود اللبنانية – السورية رجال ونساء وأطفال هرباً من ظلم وخطر يحدق بحياتهم في أوطانهم. يتوغلون في الغابات الغضّة وكل منهم قد سدد ثمن عبوره خوفاً وتعباً وبضع مئات من الدولارات لأشخاص أو جماعات يحترفون فنّ التهريب. في بال الهاربين أن لبنان «بلد الضيافة» و«صلة وصل الشرق بالغرب»، وأن «بيروت أمّ الشرائع» وساحة الحريات والديموقراطية…
يظنون أنهم سيشهدون ولادتهم الجديدة وسينعمون بحياة هادئة بعد أن ألقت هوياتهم بثقلها عليهم. لكنّ «لبنان ليس بلد لجوء»، على الأقل هذا ما ورد بصريح العبارة في الاتفاقية الخاصة الموقّعة بين المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة والأمن العام اللبناني في العام 2003. ولعلّ ما يترتب عن هذه العبارة أفظع بكثير من النهي الذي فيها. ففي لبنان بطاقة لاجئ غير معترف بها، وقضبان وسجانون وأسواط… وقانون «هرم» يحاسب اللاجئ كأي أجنبي آخر، فيما القوانين الخاصة بحالات اللجوء لم تبصر النور بعد.
و«المضحك المبكي» أن لبنان الذي لم يوقّع على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين والصادرة في العام 1951 والبروتوكول الملحق بها الصادر في العام 1967، هو عضو دائم في اللجنة التنفيذية للمفوضية منذ العام 1963 والمنوط بها وضع معايير دولية بشأن معاملة اللاجئين.
يقابل «المنصب الرفيع» في المحافل الدولية، سياسة عدم اعتراف وقمع وصدّ على الساحة اللبنانية. لا بل يحجم لبنان عن إيجاد صيغة قانونية يتعامل بها مع اللاجئين، لا سيما أنهم أصبحوا أمراً واقعاً على أرضه. وقد ارتأت الدولة اللبــنانية أن الأمــن العام هو أفضل المؤسسات لمعالجة حالاتهم. خصوصاً مع النظرة إليهم كمشكلة أمنية واجتماعية على حــدّ ســواء، يجــب وضع حـدّ لها إن لم يكن التخلّص منها.
وللوصول إلى هذا الهدف، يمارس لبنان بحق اللاجئين جرائم مزدوجة ينتهك عبرها اتفاقيات ومعاهدات دولية وقّع عليها ومنها مناهضة العنف والتعذيب، وأولها اتفاقية حقوق الإنسان المدرجة في الدستور اللبناني. فيسجن تعسفياً، ويصدر قرارات بإعادة الترحيل إلى الوطن الأم حيث الخطر على حياة اللاجئ… وبين هذه وتلك حديث بلغة السوط، يضيف إلى العذاب النفسي، وجعا جسديا.
أما المفوضية العليا للاجئين فكانت تعمل وحتى التسعينيات من دون أي إطار قانوني، وكانت الاتفاقيات الشفهية تحكم عملها منذ تأسيس مكتب بيروت في العام 1963 حين كان يغطي منطقة الشرق الأوسط، قبل أن يُنقل إلى البحرين ومن ثم إلى مصر ليعاد إلى لبنان في العام 2002. وقد اعتبرت الاتفاقية الموقّعة بينها وبين الأمن العام اللبناني سنة 2003 خطوة نوعية على هذا الصعيد، علماً بأنها أتت لتؤكد أن «لبنان ليس بلد لجوء» وأن عبارة «طالب لجوء» الواردة في الاتفاقية لا تعني إلا «طلب لجوء إلى بلد آخر غير لبنان».
مع هذا ورد في قانون الأجانب المادة 29 أنه بإمكان «كل أجنبي موضوع ملاحقة أو محكوم عليه بجرم سياسي من سلطة غير لبنانية أو مهددة حياته أو حريته لأسباب سياسية طلب منحه حق اللجوء السياسي». على أن يصدر قرار منح اللجوء عن لجنة مؤلفة من كل من وزير الداخلية ومدراء العدلية والخارجية والأمن العام. وما من لجنة مشكّلة اليوم لهذا الغرض. مع الإشارة إلى أن تاريخ لبنان شهد صدور بطاقة لجوء واحدة، كانت من حصّة الياباني كوزو أوكاموتو في العام 2000.
يقابل بطاقة اللجوء هذه أعداد غير محددة من اللاجئين إلى لبنان (لا يعترف بهم لبنان)، يحكى عن أكثر من خمسين ألفاً فيما أرقام المفوضية لا تشمل إلا حوالى 11 ألفاً. يعاني هؤلاء ظروفا اجتماعية واقتصادية صعبة تقف القوانين اللبنانية في وجه أي حلّ لها، فيما أملهم يبـقى دائماً المفوضية العليا للاجئين وقلة قليلة من الجمعيات المهتمة بهذا الشأن وأولها «فرونتيرز ـ روّاد».
خرج وائل الحسن من العراق نهاية العام 2005 بسبب اضطهادات طائفية ذهب ضحيتها أخوه وقريب له، قبل أن توجه تهديدات مباشرة له. جُرّد من أوراقه الثبوتية فتوجه إلى سوريا حيث مكث لشهرين في منطقة السيّدة زينب. شعر أن الأوضاع هناك مشابهة لأوضاع العراق، كما يقول، فقرّر اللجوء إلى لبنان.
مثله عانى عثمان مهدي من وسط السودان من عنصرية «قاتلة» بحسب وصفه، سببت خسارته والده وإصابته هو وسجنه. خرج من السجن بإطلاق سراح مشروط، فاستحصل لنفسه على جواز سفر مزوّر، وتوجّه صوب سوريا «حيث العلاقات وثيقة مع السودان وحيث النظرة إلى عدد من القضايا واحدة». بعدها، قرر هو أيضاً اللجوء إلى لبنان.
دخل وائل وعثمان إلى لبنان خلسة. استخدما كلمة «عادي» في وصف سهولة اجتياز الحدود اللبنانية – السورية. فهناك «عصابات مسلّحة من سوريين ولبنانيين تعمل باحتراف عالٍ جداً والحركة ناشطة جدّاً» يقول عثمان، لافتاً إلى مشاركة عناصر من القوى الأمنية العاملة على الحدود في عمليات التهريب.
ويروي وائل عن قائمة بـ«تسعيرة» تهريبهم فكلفة إدخالهم سيراً على الأقدام هي مئتي دولار وتصل إلى 450 دولارا في حال استخدام سيارة أجرة أو باص، وفي حال كان معهم متاع يحملونه.
بعد الاتفاق على طريقة اجتياز الحدود، يبدأ المهربون باستكشاف الطريق، وتكون أولى المحطات مبيت في «قرية أبو خالد» إلى حين حلول الليل.
في الظلام الحالك، تسير مجموعة الهاربين بين الأحراج والغابات مجتازة الحدود السورية إلى اللبنانية. هناك أيضاً يبيتون في أحد المنازل إلى حين التوزّع في مختلف المناطق اللبنانية عبر باصات صغيرة. إذا لم يخضع الهاربون لعمليات ابتزاز يدفعون على أثرها أضعاف المتفق عليه لاسترداد جوازات سفرهم التي يحتجزها المهرّبون فور الاتفاق على عملية التهريب.
في لحظة اجتياز الحدود يكون أمثال وائل وعثمان قد ارتكبوا جرم الدخول خلسة إلى الأراضي اللبنانية، المعاقب عليه بالسجن لمدة شهر ودفع كفالة قيمتها مئة ألف ليرة لبنانية مع قرار بالإبعاد.
وهي تشير في تقرير لها حول «انعدام البيئة الحمائية الملائمة بالنسبة للاجئين غير الفلسطينيين في لبنان» إلى عدم فصل اللاجئين وطالبي اللجوء المحتجزين للدخول خلسة أو الاقامة غير المشروعة خلال سجنهم، عن المجرمين المدانين بجرائم جزائية، و«لا يتمتع هؤلاء بالحق الآلي بالمساعدة القانونية المجانية والمستقلة».
فور الوصول إلى لبنان، يمهل طالبو اللجوء شهرين للتقدم بطلب إلى المفوضية العليا للاجئين. وعلى الأثر تقوم المفوضية، بحسب مسؤولين فيها، بدراسة ملف اللاجئ على أن تصدر قرارها في غضون ثلاثة أشهر. وبناء على هذا القرار يسلّم اللاجئ بطاقة لجوء هي أشبه بتصريح مؤقت للتجول وتحمي من التوقيف. و«يستثنى من دراسة الملف اللاجئين الآتين من جنوبي العراق ووسطه إذ تقدم إليهم بطاقات اللجوء فور طلبها بسبب الأوضاع الصعبة في مناطقهم»، والكلام لمسؤول في المفوضية.
بطاقة لجوء من دون مفعول
حصل وائل على بطاقة لجوء وقرّر الحصول على إقامة عبر أشخاص قيل له انهم نافذون. «دفعت خمسة آلاف دولار وأصبح وجودي شرعياً في لبنان» يقول. في غضون ذلك، كان أهله قد حولوا له بعض الأموال أسس عبرها متجراً صغيراً لتصليح أجهزة الكومبيوتر. غير أن الكفيل اللبناني «النافذ» لم يعجبه تقدّم وضع وائل، وبات يطلب سبعة آلاف دولار ثمناً للإقامة، تحوّلت في ما بعد إلى إرغامه على تقاسم أرباح المتجر.
دفع وائل ثمن رفضه للابتزاز، بحسب تعبيره. حضرت عناصر أمنية بلباس مدني وفي سيارة أجرة «كلبجوني وقالوا ان لديهم بضعة أسئلة علي الإجابة عنها». في دائرة أمنية، عصبوا عينيه واتهموه بالتخريب و«باستقدام أشخاص من سوريا لتدريبهم وتطويعهم أمنياً». بعد بضع ساعات أفرج عنه مع اعتذار سببه تضليل في المعلومات. لكن الاعتذار لم يخدم الا لصباح اليوم التالي حين استدعي مجددا، وقد أبلغ المفوضية بطلبه للمرة الثانية. قامت الأخيرة بتوكيل محام له عبر مؤسسة «كاريتاس» إلا أنه منع من الدخول إلى حيث يتم التحقيق مع وائل. وانتهى التحقيق بتحويله إلى الجهة التي تعنى باللاجئين.
سجن وائل وقيل له إن إقامته منتهية الصلاحية وهي لم تكن قد انتهت بعد، كما لم يأخذوا بعين الاعتبار بطاقة اللجوء التي يحملها. وأتى القرار بترحيله إلى العراق «لأنه يشكل خطراً على الامن القومي».
في الواقع، شكّل وائل واحداً من حوالى 1500 لاجئ وطالب لجوء أوقفوا بتهمة الدخول خلسة و/أو الإقامة غير المشروعة بين العامين 2007 و2009 بحسب تقرير «روّاد».
ويشير المحامي نزار صاغية إلى بقاء 40 لاجئاً في السجن «لأن الامن العام لا يرى طارئاً في البت في قضاياهم بعد أن أحالها إليهم القضاء». لافتاً إلى أن المعايير التي تتخذ في توقيف اللاجئ وفقاً لقانون الأجانب لا تتناسب وأياً من الأعراف الدولية. مضيفاً أن صيغة اللجوء الواردة في ذاك القانون كانت تفهم على أساس استقبال المضطهدين سياسياً في المنطقة أي القبول بلجوء النخبة السياسية المضطهدة.
وفي حين تؤكد «رواد» أن عدم احترام الأمن العام لبطاقة اللاجئ المقدمة من قبل المفوضية هو السائد، توضح المفوضية أن البطاقة «تحترم مرات، ومرات لا».
ولعلّ الاتفاقية الموقعة بين المفوضية وبين الأمن العام تقدّم ذريعة للتوقيفات عبر نصّها على أن «تصريح التجوّل المؤقت الممنوح لطالب اللجوء أو اللاجئ المعترف به من قبل المفوضية بانتظار التوطين في بلد ثالث لا يحول دون ملاحقته القانونية في حال مخالفته القوانين اللبنانية، وإخراجه من البلاد في حال ارتكابه جريمة كبرى مثل تشكيله تهديداً للامن الوطني كالانتماء إلى مجموعات إرهابية أو ارتكابه جريمة منظمة أو غير ذلك».
قصص من القرون الوسطى
في سجن الجهة الأمنية الموكلة التعامل مع اللاجئين، لا يقف الظلم عند حدود الاتهام بتهديد الأمن القومي ولا بالمعاقبة على دخول لبنان خلسة والإقامة غير الشرعية… في ذلك السجن كما في سجن رومية سجّان يتحدث بلغة السوط والعنف والعنصرية. يقول وائل إن وضع العراقيين أفضل لأنهم «أمكن مادياً»، لكنّهم (أي العناصر الأمنية) «يُعتّّلون المياه على ظهور السودانيين مع التقنين القاسي الذي يشهده السجن». هو وعثمان يصرّان على أن الكلام عما يجري لا يعبّر عن القسوة التي اختبراها.
كان وائل يسمع الانين والصراخ وصوت الضرب الذي يبدأ في الليل وينتهي مع ساعات الصباح الاولى. أما الطعام فكان يقتصر على «راس بطاطا مسلوق مع قطعة خبز، بينما كان يعتبر طبق الأرز فاخراً وكان يقدّم كل يومين مرة. وفي الصباح ملعقة لبنة مع قطعة خبز صغيرة».
وائل لم يضرب، أو ربما لحظات السكوت التي تبعت السؤال عما اذا ضرب تشي بأنه لا يريد الإجابة. عثمان من جهته ضُرب. لقد انهال عليه ضرباً ثمانية عناصر أمنية دفعة واحدة ولمدة ربع ساعة متواصلة.
يروي أنه في سجن رومية حيث يُحشر 275 شخصاً في غرفة واحدة، كان يحرم من النوم أو الجلوس متى يشاء. وكان الدخول إلى الحمام ترفاً لا ينعمون به كل يوم وأمراً يتطلب وقوفاً في صف طويل. أما الاستحمام فبالثياب والكلام غير مسموح إلا بعد إذن أقدم المسجونين «الذين يولّون علينا».
تخصّ القوى الأمنية اللاجئين بهذه المعاملة «وكيف إذا كانوا سودانيين ومن اللون الأسود» يقول عثمان، ويضيف «من بيننا حملة شهادات، أطباء ومهندسون ومحامون ومدرسون… هربوا بسبب الاضطهاد وخطر الموت. وكانوا يعتبرون لبنان بلد الحريات. على الأقل هذا ما قيل عنه، لكنهم وجدوه بلد العنصرية والاستعباد».
بقي عثمان مسجوناً تعسفياً مدة ثلاث سنوات في سجن رومية. لم يكن يحمل بطاقة لاجئ بعد. كانت المفوضية قد حدّدت له موعداً للمقابلة الشفهية التي تتضمنها دراسة الملف. كان المحامون يزورون موقوفين بالتهمة نفسها وقد التقى أحدهم بعد سنتين وشهرين من سجنه إلا أنه «لم يفعل شيئاً». في تلك الفترة، كان عدد من الداخلين خلسة – المسجونين قد لقوا حتفهم في السجن، وكانوا من المعترضين على إعادة ترحيلهم إلى بلدانهم.
لكن علميات الترحيل كانت «مزدهرة» في سجن الدائرة الأمنية المعنية باللاجئين حتى «صار فاضي»، بحسب تعبير عثمان، فحوّل إلى هناك ومكث أحد عشر شهراً. ثم اقتيد إلى سفارة السودان كخطوة أولى من الترحيل، إلا أنه أنكر جنسيته فأعيد إلى السجن.
وبعد ثلاث سنوات على السجن، قرّرت الدائرة الأمنية الاتصال بأحد محامي المفوضية بالاستناد إلى بطاقة المواعيد التي سجل عليها موعد مقابلة عثمان للحصول على بطاقة لاجئ. حضر المحامي وأجريت المقابلة، ورفض ملفه وبالتالي لم يعط بطاقة لجوء، «ولم يعد من خيار أمامي إلا الترحيل».
وأتى اليوم الذي يخبره فيه «شاويش» أن لأحد العسكريين قريباً يطلب عاملاً لديه بالمواصفات التي يتمتع بها عثمان. قابل ربّ العمل عثمان وحضرت الأوراق في غضون أيام. الداخل خلسة والمقيم بصورة غير شرعية سوّي وضعه القانوني بين ليلة وضحاها.
ولم تنته المأساة… فعبودية السجن قابلها عبودية أيام الحرية، «لم أعمل وفق الشروط المتفق عليها. كانت ساعات العمل طويلة ولا تنتهي والمعاش لا يتخطى الـ75 دولاراً شهرياً أما ظروف العمل فقاسية. تم استغلالي إلى أقصى الحدود، حتى قرّرت الهرب لأن ربّ العمل رفض تحسين ظروفي أو تسليمي أوراقي للبحث عن عمل آخر. متذرعاً بضرورة العمل لأشهر بعد كي أفي ما دفعه عنّي ثمناً لتسوية الأوضاع والإقامة».
هرب عثمان ليعمل في شمالي لينان، قبل أن يجد لنفسه عملاً بالقرب من مكان سجنه الاخير وكانت أوراقه بعد بحوزة ربّ العمل الاول.
أفلت أيام حريته على توقيف جديد قضى جزءاً منه في سجن رومية وجزءاً آخر في سجن البترون حيث حضرت المفوضية العليا للاجئين واعترفت به كلاجئ وقررت إعادة توطينه في السويد.
طوي ملف عثمان في مفوضية لبنان لكنه لم يطو في الدائرة الأمنية إياها حيث اقتيد لاستكمال إجراءات إعادة التوطين. يروي أن العسكري الذي دبّر له العمل الأول عمل جاهداً لإبقائه خمسة أشهر إضافية في السجن «حاول خلالها ابتزازي للحصول على رشوة كي أستعيد جواز سفري من قريبه. وكان يهددني بترحيلي إلى السودان وإيقاف توطيني في السويد. وحينها «كلبجوا» يدي وراء ظهري وانهال علي ثمانية عسكريين ضرباًً على وجهي ورقبتي لمدة ربع ساعة. فكتبت إلى شعبة الإجراء والتحقيق شاكياً، لكن الضابط هناك هدد بإعادتي إلى سجن رومية ان اشتكيت مرة أخرى على أحد العسكريين». لم يستعد عثمان أوراقه إلا بعد وقت وبعد أن خاف العسكري من إدانته لاحتجاز أوراق ثبوتية خاصة بشخص آخر.
كانت ظروف وائل أفضل بقليل في السجن، بقي لمدة سنة وستة أشهر في السجن نفسه حيث شهد على معاملة سيئة جداً لزملائه السودانيين، إذ «كانوا يحقّرونهم ويضحكون عليهم ويجعلونهم يغسلون الصحون والثياب…» هو أيضاّ ابتزّه كفيله «صاحب النفوذ»، لكنه في الأخير خرج من خلف القضبان أيضاً إلى السويد التي رحل إليها مع زوجته وولديه.
دور القضاء
على الرغم من التهم الموجهة إليهما وإحداها «تهديد الامن القومي» لم يمثل أي من وائل او عثمان أمام القضاء اللبناني، لا بل سجنا تعسفياً لفترة أطول من تلك المنصوص عنها في القانون. وتشير «روّاد» في تقريرها إلى أن لبنان و«بعد تعرّضه للانتقاد في الماضي لانتهاكه مبدأ عدم الإبعاد القسري قد استعاض عن ذلك باللجوء إلى الاحتجاز المطول غير القانوني لإجبار اللاجئين على الموافقة على الترحيل، وهكذا يؤدي الاحتجاز التعسفي إلى إبعاد قسري بحكم الواقع. فضلاً عن ذلك ليس هناك امكانية للتنبؤ متى أو على أي أساس يمكن ان يُخلى سبيل اللاجئ».
وتجدر الإشارة إلى أنه في العام 2006، أصدرت هيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل مذكرة استشارية أكدت بموجبها انه لا يمكن الحكومة اللبنانية إعادة اللاجئين المعترف بهم من قبل المفوضية لالتزامها باتفاقية مناهضة التعذيب.
وقد أظهرت دراسة صدرت عن «الشبكة الأوروبية – المتوسطية لحقوق الإنسان» بعنوان «اللجوء والهجرة في منطقة المشرق العربي»، انه بموجب مذكرة التفاهم بين الأمن العام والمفوضية، تصدر المديرية تصاريح تجوّل سارية لمدة ثلاثة أشهر لطالبي اللجوء، تجدد ستة أشهر للاجئ بينما تسعى المفوضية إلى إعادة توطينه. ويمكن تجديده لثلاثة أشهر إضافية».
مع ذلك، لا تصدر المديرية تصاريح إلى كل اللاجئين المعترف بهم من قبل المفوضية. ولا المفوضية تصرّح عن كل العراقيين الذين تعترف بهم تلقائياً لأن أعدادهم كبيرة وبالتالي فإن مسألة إعادة توطينهم تتطلب وقتاً، بحسب التقرير نفسه.
على الرغم من ذلك، يلفت المسؤول عن حماية اللاجئين في المفوضية دومينيك طعمة إلى «وجود كوتا معيّنة تعتمدها الدول في استقبالها للاجئين، تعمل على أساسها المفوضية»، مؤكداً أن أعداد الذين يعاد توطينهم تفوق القادمين إلى لبنان».
على صعيد آخر، يعالج القضاء مسألة اللاجئين بطرق مختلفة، تتنوع بحسب رؤية القاضي. يشير صاغية إلى أن عدداً كبيراً منهم لا يحكم بالترحيل مستنداً إلى عدد من الاتفاقيات الدولية لا سيما اتفاقية مناهضة العنف والتعذيب التي وقّع عليها لبنان، محترمين بذلك بطاقة اللجوء التي تصدرها المفوضية. لكنّ منهم من لا يبرئ اللاجئ من تهمة الدخول خلسة التي بات يعاقب عليها بالسجن لمدة شهر وغرامة 100 ألف ليرة لبنانية، سائلين عن أسباب عدم بقاء اللاجئ في سوريا. وهناك قلة من القضاة الذين يعتبرون ان القانون اللبناني لا يميز بين لاجئ وغير لاجئ، فلا يعترفون ببطاقة المفوضية، لا سيما انها غير صادرة عن لجنة البتّ بملفات اللاجئين التي نصّ على تشكيلها قانون العام 1962 ولم تشكّل في الأصل. ويبقى عدد من القضاة الذين يبحثون بأنفسهم، وبغض النظر عن البطاقة فيما إذا كان الأجنبي لاجئاً أم لا.
يضيف صاغية أنه مع صدور الأحكام يحيل القاضي ملف اللاجئ إلى الأمن العام للبت بوضعه «من هنا ما زال حوالى 40 لاجئا قابعاً في الأمن العام لم ير الأمن العام طارئاً في البت بوضعهم بعد».
يرسم وائل وعثمان صورة سوداوية عن لبنان من حيث يقيمان في السويد. يرفضان الرجوع إليه ولو للاستجمام والسياحة، لم يعد بالنسبة إليهما بلد الحريات والقانون والديموقراطية، بل أضحى بقعة من الكرة الأرضية تشبه وطنيهما اللذين عذّباهما واللذين هربا منهما خوفاً من التعذيب والموت. وهما يريان أن «رواد» هي أجمل ذكرى يحتفظان بها عن ذاك البلد الصغير.

Advertisements
Categories: Press Articles
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: