Home > Press Articles > لبنان: أزمة اللجوء تُفَاقم مأساة العراقيين … و«تتلوّن» بسحنة السودانيين .

لبنان: أزمة اللجوء تُفَاقم مأساة العراقيين … و«تتلوّن» بسحنة السودانيين .

جريدة الحياة، تاريخ 24 حزيران 2010

في «النادي السوداني» الملاصق لمستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، تجمع شباب سمر مع بداية المساء. إنه لقاء شبه يومي لهم بعد انتهاء ساعات العمل الطويلة، لكن أول من أمس، كان ثمة سبب إضافي لهذا الإقبال. إنها ارتدادات «حادثة الأوزاعي» التي تعرض خلالها نحو 150 سودانياً للتوقيف الاعتباطي والضرب والإهانات، خلال دهم عناصر الأمن العام لصالة أفراح أقام فيها أفراد من الجالية السودانية حفلاً ريعياً منذ نحو أسبوعين.

كادت الحادثة تمر من دون أن تستوقف أحداً لولا توجه شباب فور الإفراج عنهم للصحافة والإعلام، وتزامنها مع اليوم العالمي للاجئين وزيارة المفوض السامي لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس المنطقة، ما أعطى القضية بعداً إضافياً، علماً أنها المرة الأولى التي يتم فيها الاحتفال بهذا اليوم في الشرق الأوسط.

والتبرير الذي قدمه الأمن العام لدهم صالة الاحتفالات هو البحث عن لاجئين غير شرعيين ومن لا يحملون أوراق إقامة رسمية. لكن المشكلة تكمن في استخدام مفرط للقوة وفي أن غالبية الذين أودعوا في نظارة الأمن العام لفترة امتدت 12 يوماً أحياناً، يملكون كل الأوراق والمستندات الرسمية.

ويقول أحد هؤلاء: «ما زلت لا أفهم لماذا أُوقفت ولماذا أُفرج عني. والأسوأ لماذا تعرضت لضرب مبرح وإهانات لفظية تحط من شأني وتسخر من لوني». ويتابع الشاب الذي رفض الكشف عن اسمه خوفاً من عرقلة إجراءات تجديد أوراقه المستحقة بعد بضعة أشهر، قائلاً: «كنت أحمل أوراقي وقدمتها فوراً للضابط فأخذها وأبقاها معه طوال مدة توقيفي. وعندما كنت أسأل عن سبب احتجازي لم يجبني أحد. حتى كفيلتي جاءت فأعادوها وتذرعوا بأنني خالفت شروط إقامتي التي تفيد أنني عامل، فيما كنت أعزف الموسيقى في الحفلة». وهذا الشاب جاء من السودان منذ 8 سنوات من طريق التهريب البري عبر سورية، ثم بعد سنة من الإقامة غير الشرعية، وجد عملاً وكفيلاً واستحصل على أوراق إقامة تكلفه في السنة نحو ألفي دولار، إضافة إلى مساهمات للضمان الاجتماعي لا يحق له الاستفادة منها في حال المرض. ولسوء حظ إضافي، يعزف الشاب على آلة «الأورغ» في حفلات الجالية فاعتبر ذلك مأخذاً ضده لدى توقيفه كونه «يسترزق من غير تصنيفه كعامل». فهنا «أقصى ما يمكن للسوداني أن يبلغه، مرتبة عامل» يقول الشاب دامعاً.

ولا تعترض السفارة السودانية على توقيف أبناء جاليتها في حال خرقوا القوانين اللبنانية أو أقاموا بطرق غير شرعية، لكن المسألة تتعلق بالإهانات والعنف الجسدي والألفاظ العنصرية ضد جنسية بأكملها، ما كاد يشكل أزمة ديبلوماسية بين البلدين.

ويقول جعفر الذي يعتني بمظهره وتسريحة شعره وبدت عليه البحبوحة المادية «لا يمكنني أن أدخل مقهى في بيروت وأجلس كغيري من الزبائن. حتى عندما أذهب لشراء ثيابي يعاملني البائعون بازدراء واستعجال. فإذا لم يعجبني ما عرضوه علي بسرعة يبعدونني عنهم ويلتفتون إلى زبائن آخرين». والأكثر إيلاماً برأي هؤلاء الشباب المجتمعين في بيتهم الاغترابي، حيث التلفزيون يبث أغاني بلادهم، أن من يتوجه إليهم بالكلام من اللبنانيين إنما يستعمل الانكليزية المتعثرة، مازجاً بينهم وبين أبناء الجاليات «السمراء» الأخرى. ويقول جعفر: «عندما أجيبهم بالعربية يصيبهم الذهول… ولا يصدقون أن السودان بلد عربي».

فجأة، بدا أن حادثة الأوزاعي كشفت عن مرارات فردية وجماعية كان مسكوتاً عنها لفترات طويلة. فإخلاص قدمت إلى لبنان منذ 7 سنوات بعد زواجها وهي اليوم أم لثلاثة أبناء، لكنها وأبناءها لا يملكون أوراق إقامة أو لجوء. إخلاص السيدة الوحيدة التي جاءت إلى النادي وبدا أن الشبان يعرفونها جيداً. فهي منذ يوم وصولها من بلدها، تواظب على التوجه شهرياً إلى مكتب الأمم المتحدة لتنال وأبناؤها صفة «لاجئة» لكنها لم تنجح بعد.

وتقول: «سأظل أحاول لأنه ليس لدي خيار بديل. فالعودة إلى السودان مستحيلة». وتتابع: «لم أتعرض للتوقيف أو المضايقة ربما لأنني سيدة وغالباً ما احتمي بأطفالي عندما أخرج. لكن المشكلة أنه لا يمكن إرسالهم إلى المدرسة من دون أوراق… ونحن لسنا كالفلسطينيين الذين ترعاهم وكالة «أونروا» ويحظون بتعاطف الجميع».

لكن هل يحسد أحد الفلسطينيين على حالهم؟ الإجابة غير المتوقعة هي نعم. فبغض النظر عما باحت به إخلاص من شعور دفين بإهمال السودانيين وحربهم، وعدم الاعتراف بهم كشعب له أيضاً مأساة هرب منها، ما عادت اليوم أزمة اللجوء القسري حكراً على الشعب الفلسطيني خصوصاً بعد حرب العراق. ففي لبنان وحده يناهز عدد اللاجئين العراقيين 50 ألفاً يتوزعون على المناطق بحسب انتمائهم الديني. وإذ أعلنت اللجنة العليا لشؤون اللاجئين عام 2010 «سنة اللجوء العراقي» لم يبدد هذا الإعلان أو زيارة المفوض السامي مطلع الأسبوع وجولاته المكوكية بين المسؤولين اللبنانيين من هواجسهم. فعائلة أبو ساري التي تعد 7 أفراد من بينهم والده العجوز، لم تسمع بتلك الزيارة ولا عولت عليها. وكان الرجل الخمسيني ترك حي السعدون في بغداد منذ نحو عام، وهرب مع عائلته لينقذهم من موت محتم كما يقول ويسكنهم غرفة في حي فقير في ضاحية بيروت الشمالية حيث الغالبية من المسيحيين. وفي بداية الحرب «صبر وتدبر أمر حماية الأسرة لكن الوضع في العامين الأخيرين ما عاد يحتمل» كما يقول خصوصاً بعد تهديدهم بالطرد من حيهم على يد الميليشيات المسلحة. في بيروت ترك ابنه وابنته المراهقان دراستهما ليعملا في مكتبة قريبة من المنزل مقابل 250 دولاراً، على أن ترتاد أختاهما الأصغر المدرسة. وهما الآن يفكران في العمل ساعات إضافية كـ «جمهور» مقابل 10 الآف ليرة لبنانية (6 دولارات) لـ 6 ساعات عمل الأمر الذي يرفضه الأب رفضاً تاماً. فذلك يعني أن يتوجه ساري وأخته إلى الحفلات والبرامج التلفزيونية التي تتطلب جمهوراً ليصفقا ويبتهجا حين يطلب المخرج ذلك، وقد يمتد العمل إلى ساعات متأخرة.

وكانت العائلة تقدمت بطلب لجوء إلى الأمم المتحدة، لكنه رُفض بذريعة أن الأب «خدم في الجيش العراقي» وهم الآن عالقون بين العودة الى حرب لا ترحم، أو البقاء بصفة غير شرعية في بلد متمسك بأنه «ليس بلد لجوء»، على رغم توقيعه المعاهدات الدولية لحماية الأفراد الهاربين من النزاعات. وفي قيظ هذا الصيف، تعتمد العائلة كغيرها من الجيران على فتح نوافذها على الشارع. ذاك أن دخل الولدين لا يسمح باستهلاك مفرط للكهرباء، فبعد اقتطاع الإيجار البالغ 230 دولاراً ومصاريف ضرورية، بالكاد يبقى لهم ما يسد الرمق

Advertisements
Categories: Press Articles
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: