Home > Arabic, Press Articles > حكايات من سجل مخالفة قانون المحاكمات الجزائية في لبنان

حكايات من سجل مخالفة قانون المحاكمات الجزائية في لبنان

في السجون أربعة آلاف و146 «موقوفاً احتياطياً» في مقابل 1607 محكومين

السفير، 15 آذار 2011
في انتظار من ينظر في الملفات ويصدر الأحكام: انتظار الأمهات الطويل

 

كان أحمد يعمل في أحد مطاعم بيروت، ينقل الطلبات إلى البيوت والمكاتب. في مهمة روتينية، قصد الشاب العشريني أحد منازل العاصمة لتسليم طلب، إلا أنه فوجئ بعناصر التحري يداهمون المكان ويعتقلونه مع من كان موجوداً في الشقّة، بتهمة «ممارسة اللواط وتعاطي المخدرات». في مكتب الآداب التابع للشرطة القضائية، أنكر «الموقوف المستجد في عالم المخدرات» علاقته بالموضوع، وأيّد من اعتُقل معه أقواله.
يؤكّد أحمد أن بعض العناصر من «التحري» طلبوا منه مبلغ «ثلاثمئة دولار» لقاء عرضه على طبيب شرعي، ولدى القيام بذلك صبّ التقرير في مصلحته، كما أن الفحص المخبري أثبت عدم تعاطيه للمخدرات.
يروي أحمد، من خلف قضبان سجنه اليوم، أنه لمّا لم يتمكّن من تأمين المبلغ، حاول المحققون انتزاع اعتراف منه، بالضرب والتهديد، يفيد بأنه كان يوصل «المخدرات إلى المنزل»، ويؤكّد أن عناصر من المكتب طلبوا منه تدبير مبلغ ألفي دولار لقاء تعيين محام يختارونه له كي ينهي الملف. إلا أنّه لم يستطع تأمين المبلغ المطلوب، فأبلغ عناصر الأمن النيابة العامة هاتفيا بشكوكهم حياله، فأصدرت النيابة بدورها، وعبر الهاتف، قراراً بتوقيفه.
في سجن روميه، يقبع احمد في ظروف سيئة جداً منذ أربعة أشهر بانتظار عرضه على قاضي التحقيق للبت في إخلاء سبيله أو الادّعاء عليه…
لتلك الواقعة وقائع شبيهة كثيرة أو تختلف في التفاصيل، يقدّر عددها بأربعة آلاف و146 حالة لموقوفين «احتياطياً» في نظارات وسجون وإصلاحيات لبنان، في خرق نافر للمادة 107 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، التي تفيد بأنه بعدما «يستجوب قاضي التحقيق المدّعى عليه، ويستطلع رأي النيابة العامة، يمكنه أن يصدر قراراً بتوقيف المتهم شرط ألا يكون معاقب قبلاً بالسجن لأكثر من سنة، أو أن يكون قد حكم عليه بعقوبة جنائية بالحبس لأكثر من ثلاثة أشهر من دون وقف التنفيذ، وأن يكون قرار التوقيف معللاً، وأن يبين فيه قاضي التحقيق الأسباب المادية والواقعية التي اعتمدها لإصدار قراره».
ويشدد نص المادة على أن يكون التوقيف الاحتياطي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على أدلة الإثبات أو المعالم المادية للجريمة.
ولكن، تبيّن نظرة سريعة على المحاكم الجزائية أن هناك قسماً كبيراً من الموقوفين في لبنان قد تم احتجازهم بجرم تحرير شيك بدون رصيد مثلاً، وهو إجراء لا تنطبق عليه شروط التوقيف المنصوص عليها في المادة 107.
ويتبدى حجم المشكلة الفعلي لأن نسبة الموقوفين احتياطياً في لبنان تفوق نسبة المحكومين! فهناك 68 في المئة من الموجودين في السجون اللبنانية في خانة الموقوفين احتياطياً. ولا تقتصر المشكلة على «التخمة» المعروفة في عديد الملفات المعروضة على المحاكم، في مقابل نقص واضح في عدد القضاة، بل إن الطامة الكبرى تتمثل في مخالفة عدد كبير من قضاة التحقيق لأصول قانون المحاكمات الجزائية.
وفي حديث لـ»السفير»، يقترح رئيس مجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر، صاحب الخبرة الكبيرة في الملفات الجزائية، على قضاة التحقيق والمحامين العامين أن يمضوا إجازاتهم الأسبوعية، ولو لمرة واحدة، في أحد السجون قبل أن يتسلموا ملفات جزائية.
ويقول صادر إنه بذلك، «يتسنى للقضاة معرفة قيمة كرامات الناس، وأهمية وقدسية حرياتهم وحقوقهم الإنسانية».
ويرى صادر أن تلك الملفات يجب ألاّ تحال «إلاّ لقضاة مخضرمين تتكون لديهم القناعة بأن هناك حقوقاً تجب حمايتها»، مشيراً إلى أنه «من غير المسموح إصدار مذكرة توقيف إلاّ بناء لشبهة أكثر من جدية، بما يبرر حرمان الشخص من حريته». أي انه، ووفق صادر، «يجب أن تتوفر لدى القاضي من المعطيات ووسائل الإثبات ما يشكل قناعة راسخة لديه تبرر عملية التوقيف».
ويشدد صادر على ضرورة تطبيق المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنص على انه «ما خلا المحكوم عليه سابقاً بعقوبة مدتها سنة على الأقل، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف شهرين في الجنحة، يمكن تمديدها مدة مماثلة كحد أقصى في حالة الضرورة القصوى، وبقرار معلل».
وفي الهدف من العقوبات، تعتبر السجون حلقة من حلقات إقامة العدالة. فهي تمثل المكان الذي تنفذ فيه العقوبة الأحكام الصادرة عن القضاء لمعاقبة مرتكبي الجرائم ووضعهم في مكان منفصل عن بقية المواطنين تحت حراسة أمنية كونهم يشكلون خطراً على المجتمع. كما تمثل السجون والنظارات أيضاً أماكن تحتجز فيه مؤقتاً، وبقرارات قضائية، حرية متهمين أو مشكو منهم ما يزالون قيد التحقيق والمحاكمة، وذلك بصورة استثنائية، ولكن ضمن ضوابط وشروط حددتها المادة 107 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولكن ماذا يحدث في لبنان، وهل يجري الأمر كما تنص عليه وتنظمه القوانين؟.
لا تقتصر مآسي التوقيف الاحتياطي على الظروف القانونية، فأوضاع أماكن التوقيف في لبنان لا ترقى لأي من المعايير الدنيا التي تحددها الأمم المتحدة لمعاملة السجناء. وتصنّف أوضاع السجون ونظارات التوقيف بما بين السيئ والسيئ جداً، بحيث يصبح المكوث فيها ضرباً من ضروب التعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية.
ويؤكد ذلك شربل زغيب، منسق العلاقات العامة في «جمعية عدل ورحمة»، مشيراً إلى أن وضع الموقوفين في مكان واحد مع المحكومين، لا سيما الخطرين منهم، يؤدي غالباً إلى إنتاج جيل من المتمرسين في فنون الجريمة، وغالباً ما يخرج هؤلاء للانتقام وتكرار جريمتهم».
ويشرح زغيب أن الموقوفين يوضعون وسط اكتظاظ خانق، وفي ظروف صحية سيئة، ولا يلقون العناية الطبية اللازمة»، لافتاً إلى ان «إخراج أي مريض إلى المستشفى يمكن أن يتطلّب أكثر من أسبوع أحياناً، كما أن عدد الأطباء نسبة لعدد الموقوفين هو قليل جداً، فيما تعتبر حبة «البنادول» من صيدلية السجن، هي أقصى ما يمكن الحصول عليه لتسكين الأوجاع.»
ويروي زغيب أن احد الأشخاص أوقف لمدة أسبوعين بتهمة تحرير شيك بدون رصيد، ولكنه خرج من السجن وهو يعاني انهياراً عصبياً شديداً أمضى على أثره شهرين في المستشفى، وهو ما زال يخضع لعملية تأهيل نفسي لدى اختصاصي من الجمعية.
وليس سبب البطء في البت في ملفات الموقوفين قضائياً فقط، إذ هناك أيضا تأخير في سَوق الموقوفين من أماكن احتجازهم بسبب عدم توفر وسائل نقل كافية عند قوى الأمن الداخلي.
ولكن لتراكم أعداد الموقوفين حكاية أخرى لا بد من روايتها. فالسجون، على ما يبدو، لا تحكمها القوى الأمنية إلاّ من خارج غرف السجن، أما في الداخل، فتسلم صلاحياتها لما يعرف بـ»شاويش» غرفة السجن.
ويتم في العادة اختيار «الشاويش» من المساجين المعروفين بالسطوة والبطش.. فتسلم «للمختار» ملفات الموقوفين الجدد، وله صلاحية معاقبتهم بـ»الفلق» وإرسال من يريد منهم إلى السجن الإفرادي. ويمتلك «الشاويش» هاتفاً خلوياً يستعمله بمعرفة القوى الأمنية. كما أن له الحق في مصادرة الطعام المرسل إلى المساجين من ذويهم و»توزيعه على معاونيه»، بحجة العثور على مواد ممنوعة في داخله، كما يروي بعض الموقوفين المطلق سراحهم.
ولـ»الشاويش» أيضاً صلاحية الاستنساب في اختيار عدد الموقوفين المطلوب مثولهم أمام القضاء في حال كان العدد المطلوب أكثر من قدرة القوى الأمنية على السوق، وفق ما يقولون. ورضى «الشاويش» مطلوب في تلك المرحلة، لذلك يتم إغراقه بأكبر عدد من علب السجائر وبطاقات التشريج الهاتفية والحبوب المخدرة.
توقيف «احتياطي آخر»
أوقف علي، وهو عراقي الجنسية، لمدة خمسة عشر شهرا قبل أن يحكم عليه بالسجن لشهر واحد بتهمة محاولة الدخول خلسة إلى لبنان هرباً من الحرب الدائرة في بلاده. يقول علي إن عناصر الجيش سلّموه إلى مخفر درك القبيات الذي أودعه في غرفة حمام معتمة جداً تفوح منها روائح خانقة، وكان عناصر المخفر يكيلون له الشتائم كلما رفع صوته مطالباً بإخراجه إلى مكان أفضل. في سجن القبة المركزي، حيث تم تحويله، أَجبر على التعري في برد قارس أمام جميع الموقوفين لتفتيشه.
خمسة عشر يوماً أمضاها الشاب العراقي مع أربعين شخصاً جلَّهم من المحكومين بجرائم القتل والمخدرات، في غرفة بالكاد تتسع لخمسة عشر شخصاً. لم يسلم علي من غضب «شاويش» السجن وبطشه كما يقول. أمر «الشاويش» برفعه «فلقة» وراح يضربه على رجليه بعصا غليظة في ساحة يطلق عليها المساجين اسم الميدان، بسبب رفضه القيام بخدمته وإعداد الطعام له.
لم تنفع استغاثة علي بعناصر القوى الأمنية الذين كانوا يكتفون بالضحك والتفرج من وراء الشريط الشائك.
يروي علي معاناته ومعاناة المساجين الفقراء والمعدمين أمثاله في سجن روميه. يقول إن ملفاتهم تنام أجلاً غير مسمى كونهم لا يجدون من يتولى متابعتها قانونياً بسبب ضيق أحوالهم المادية، وغالباً ما يحكمون باكتفاء المدة، لأن الفترة التي يمضونها في السجن تفوق محكومياتهم.
وتحفل المحاكم الجزائية بمشاهد حية عن الواقع ذاته. ويمثل يومياً أمام المحاكم عشرات الموقوفين بجنح تنص المادة 113 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على وجوب إخلاء سبيلهم بعد خمسة أيام من تاريخ توقيفهم، شرط ان يكونوا لبنانيين، ولهم مكان إقامة في لبنان، وألا يكون قد حكم عليهم سابقاً بعقوبة جرم شائن أو بعقوبة الحبس على الأقل.
ويطرح سؤال نفسه: «لماذا لا تنفذ المادة 111 من قانون أصول المحاكمات الجزائية كحل، كونها تجيز وضع المدّعى عليه تحت المراقبة القضائية بدلا من توقيفه. وتنص المادة 111 على التزام الشخص المراقب الإقامة في قرية أو مدينة ومنع مبارحتها، وعدم التردد إلى أماكن معينة، والتعهد بعدم تجاوز دائرة المراقبة، وإثبات الوجود دورياً لدى مركز المراقبة.
معاناة المحامين
وللمحامين معاناتهم أيضاً مع التوقيف الاحتياطي. تؤكّد ذلك نقيبة المحامين أمل حداد التي تشير إلى «أنه حين يعهد للمحامي بدعوى جزائية من نوع الجنحة أو الجناية، يصبح مسؤولا عن حق المجني عليه إذا كان وكيله في الدعوى ومسؤولا عن حرية المدّعى عليه انطلاقا من حق الدفاع».
تضيف حداد «ان هناك شكوى عارمة لدى المحامين من تساهل القضاء بتطبيق المادة 83 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وذلك لجهة مدة احتجاز الموكلين في نظارات الضابطة العدلية وإخضاعهم للعزلة والانفراد»، مشيرة إلى ان ذلك «لا يخالف فقط القانون اللبناني بل يتعارض أيضا مع الشرائع والعهود الدولية لحقوق الإنسان، كما يخالف بشكل فاضح المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية».
وتنص المادة 83 ، وفق النقيبة حداد، على صلاحية قاضي التحقيق وحده في منع اتصال الموقوف مع زائريه لمدة خمسة أيام»، مشيرة إلى أن «ذلك المنع لا يشمل المحامين الذين لهم حق الانفراد بموكليهم في غرف خاصة، ولكن للأسف هناك تجاهل مخيف لتلك المادة.»
من جهته، يدعو عضو لجنة الإدارة والعدل النيابية النائب غسان مخيبر قضاة التحقيق إلى «الاقتصاد في قرارات التوقيف الاحتياطي»، لافتاً إلى وجود «إفراط من قبل قضاة التحقيق في استعمال ذلك الحق». ويرى مخيبر «ان هناك إمكانية للاستعاضة عن التوقيف متى أمكن بالآليات القانونية البديلة المتوفرة»، داعياً إلى «تطوير المعونة القضائية داخل السجون من اجل الإسراع في مساعدة الموقوفين المحتاجين والإسراع في محاكمتهم أو في إخلاء سبيلهم».
ويشدد مخيبر على ضرورة «تأمين حقوق الموقوفين في حسن تطبيق قانون أصول المحاكمات الجزائية وسائر الأحكام القانونية التي ترعاهم وتؤمن احترام حقوقهم وفرضية البراءة بشكل خاص»، داعياً «إلى التشدد أيضاً في تطبيق المعاهدة الدولية لمناهضة التعذيب وسائر الأحكام القانونية التي تحظر التعذيب وما يجري مجراه من سوء معاملات مهينة أو تحط بالكرامة، وضرورة التشدد في معاقبة كل شريك أو محرض عليها».
دور قوى ألأمن
«ينتهي دور قوى الأمن الداخلي في موضوع التوقيف الاحتياطي عندما يمثل الموقوف أمام قاضي التحقيق»، بحسب ما يؤكّد العميد سامي نبهان، رئيس شعبة الخدمة والعمليات في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.
ويرى نبهان «أن هناك جهة أخرى تستطيع الوقوف على مشاكل السجين والتعامل بفعالية وجدارة أكثر من قوى الأمن الداخلي، كالهيئات الأهلية والمدنية»، داعياً إلى «الإسراع في نقل سلطة السجون إلى وزارة العدل، وإلى عقد اتفاقيات دولية مع عدد من الخبراء والهيئات المختصة لبناء السجون في لبنان، وتطوير خطط وسياسات خاصة بإدارة السجون.»
تبقى معاناة المساجين كبيرة، يعبرون عنها بين الحين والأخر باعتصامات أوأعمال شغب وفرار وتشطيب للأجساد بأدوات حادة، بينما هناك مخارج قانونية قادرة على التخفيف من اكتظاظهم وتوقيفهم الاحتياطي الطويل، والأهم جعل السجون مكاناً للتأهيل وليس للتعذيب ولتخريج أجيال «مخضرمة» في فنون كل ما يخالف … القوانين.

Advertisements
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: