Archive

Archive for April 6, 2011

شهادات سجناء سابقين في «رومية»: حبوب في الأيام العادية.. وهيرويين في الأعياد!

في المرة الأولى التي تعاطى خلالها أسامة المخدرات في سجن رومية، لم يضطر إلى دفع مبلغ مادي مقابلها: «كانت ضيافة»، يقول. في وقت لاحق، كان الشاب الثلاثيني، يستعين بـ«المبالغ المالية التي يوفرها له أهله في قسم الأمانات ليشتري المخدرات من داخل السجن، من سجناء أو من عناصر قوى الأمن على حد سواء». يقول أسامة الذي خرج من السجن منذ خمس سنوات، وعاد ليبني حياته ممّا يسميه ما دون الصفر، إن «المخدرات الأكثر توفراً دائما داخل السجن، كانت عبارة عن الحبوب.. ولكن، في المناسبات والأعياد المجيدة كانت تتوفر مواد مخدرة مختلفة من الهرويين والكوكايين والحقن وسواها…».
شهادة الشاب الحيّة، هي أشبه بمدخل إلى حياة لا نعرف عنها الكثير، خلف تلك القضبان التي تشتعل بالاحتجاجات وحركات التمرد منذ أيام. وأسامة ليس الوحيد الذي يحكي عن فساد مستشرٍ ساهمت فيه عدة أطراف داخل السجون اللبنانية، فهو يجلس هنا في جمعية «عدل ورحمة» مقابل مدخل سجن رومية تماماً، وإلى جانبه مجموعة من السجناء السابقين، الذين لم يترددوا في أن يرووا تجاربهم مع المخدرات داخل السجن وخارجه، وذلك ضمن نشاط خاص بالإعلام، يقام على هامش «المؤتمر الدولي الثاني والعشرين للحد من مخاطر المخدرات» الذي يقام للمرة الأولى في دولة عربية.
وبينما يتحدث أسامة عما يسميه «مدرسة سجن رومية التي تُخرّج مجرمين»، تقف أمهات وعائلات سجناء حاليين عند مدخل السجن يطالبن بمعالجة أوضاعهم القانونية والمعيشية داخل السجن. يسمعهم الشاب من دون أن يبدي أي استغراب لما يسود السجن من حركات احتجاجية الآن، ويؤكد، هو والسجناء السابقون في شهاداتهم، على أن «من يعرف اللاانضباط المستشري في الداخل، والإهمال الذي يعيش السجناء تحت وطأته، يدرك جيداً أن الوضع قابل للانفجار في أي ثانية».
يقول أسامة الذي قضى داخل سجن رومية سنتين وأربعة أشهر، إن «داخل السجن، حياة ثانية، ومجتمع قائم بحد ذاته، يعيش على قاعدة إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب. وفي المجتمع ذاته، يصادف السجين أناسا مظلومين تدرك أن مكانهم ليس هنا، وربما يكون أحدهم إنساناً صالحا صدم بسيارته مواطناً عن طريق الخطأ، وبات داخل هذه الفوضى التي تفسده أكثر من المجتمع الطبيعي، مجرماً». ويرد أسامة مشكلة الفساد في السجن بالدرجة الأولى إلى «تواطؤ عناصر من قوى الأمن المستفيدة على عدة صعد، وتعتبر قضية المخدرات، أهم «أبواب الخير» لها. ومع الأسف، إن تغير بعض العناصر بين الفترة والأخرى لأن تواطؤهم بات مفضوحاً و«طلعت ريحتهم»، لا يحلّ أي مشكلة، إذ العناصر الذي يتسلمون زمام الأمور بعدهم يكلمون طريق الفساد عينه».
ويرى أسامة أن «أبرز الثغرات التي تجعل السجن يخرّج أناساً أكثر إجراماً وأكثر إدماناً هو عدم الفصل بين سجناء بتهم مختلفة، بالإضافة إلى التعامل مع المدمن كمجرم بدلاً من معالجته. يجب التعامل معه كمريض يحتاج على توعية وعناية دقيقة، لا إلى قمع عناصر قوى الأمن التي تساهم في تسريب المواد المخدرة المختلفة لهم كجزء من اللعبة التي يشترك فيها الأغلبية داخل السجن».
بعد مرور السنوات، استطاع الشاب أن ينفض عنه سلبيات تجربة جعلته شخصاً مختلفاً، وعاد ليرمم ما دمرته سنوات الإدمان والسجن: ثقة الناس والمجتمع. ما نجح في تحقيقه بعد عمله لفترة كناشط في جمعية «عدل ورحمة»، وبعد سفره إلى مصر للتخصص في علاج الإدمان.. وها هو اليوم يعمل ما زال ناشطاً في هذا المجال، بالإضافة إلى عمله في تخصصه الأساسي في الإلكترونيات والكهرباء.
«السجن زاد من إدماني»
ما رواه أسامة، يبدو مألوفاً لتجربة لا تقل قسوة عاشها لويس بعد 13 سنة من الإدمان واستخدام المخدرات. الفارق الوحيد أن معاناة لويس ما زالت حيّة جداً، هو الذي بدأ تعاطي المخدرات منذ سن السابعة عشرة، وسجن بسببها لفترات متقطعة، وبات منذ سنة فقط حراً طليقاً. يجلس الشاب إلى جانب زوجته صولانج التي وقفت إلى جانبه في مراحل الإدمان الصعبة، وخلال فترات سجنه، ولقيت دعماً منقطع النظير من عائلتها، في حين رفضت عائلة لويس ابنها وامتنعت عن تقديم أي دعم كان يمكن أن يجعل المعاناة أسهل.
يتحدث الشاب، بكل جرأة، عن «فساد وتفلت داخل السجن، ساهم في زيادة إدماني وجعلني لا أملك المزيد لأخسره، وربما لم أستطع تقدير خسارتي إلا بعد خروجي من السجن». يقول لويس إنه «لم يكن من الصعب أبداً الحصول على المخدرات في داخل السجن، لا سيما حبوب الهلوسة «بيزكسول»، وكان يمكنني الحصول على ما أريد مقابل خدمات مختلفة وليس بالضرورة مقابل المال، إذ في واقع الأمر السجناء هم من يحكمون السجن وهم من يرتبون يومياته، ولا يتعدى عدد عناصر الامن أصابع اليد الواحد في المبنى الواحد، لا سيما في المبنين «دال» و«باء». وكنت أنا على سبيل المثال، عند نقطة تفتيش، فحظيت بفرصة لتقديم العديد من الخدمات للسجناء بينها السماح بدخول الهواتف والحبوب. وكانت الجملة الأشهر التي أسمعها: مرقلنا إياه وما بتكون إلا مبسوط».
يتلقى لويس، في أثناء رواياته لتجربته، سؤالاً من أحد الصحافيين الأجانب، عن العلاج بالميثادون للمدمنين، بديلا من المخدرات وعن مدى تأمين الحقن النظيفة داخل أو خارج السجن، ويبدو لوهلة أن السؤال يأتي من خارج السياق إذ يشير إلى «عدم توفر الميثادون، وبطبيعة الحال الحقن النظيفة». ويقول إنه في مراحل إدمانه المختلفة، تشارك في استخدام الحقن مع متعاطين آخرين، واستخدم أحياناً أخرى حقنا غير نظيفة.. «ولطالما سبب ذلك مشاكل صحية، وكاد يقتلني».
يعود لويس ليشير إلى أن «مأساة رومية لا تبدأ هنا في هذا السجن، بل إن الفساد يبدأ من لحظة التوقيف، وتحل اللعنة على السجين إذا صودف أن أوقف في مخفر حبيش، وأروي من تجربتي أنا، وقد أوقفت في مخافر مختلفة، وأعترف بأني تلقيت أسوأ معاملة في مخفر حبيش، وحتى إن كنت أرى قوى الأمن تبتز المدمن بتقديم المخدرات له، لتستدرجه ليعترف بشركاء آخرين له، أو بتاجر للمخدرات».
«غداً… سأسرق»
لدى ملحم تجربة أكثر ألماً، هو الذي كان مقاتلاً سابقا في الحرب الأهلية، وبدأ تعاطي المخدرات منذ سن 17، ودخل إلى السجن بتهمة القتل والتفجير والسرقة، وعاد ليفرج عنه وفق عفو سياسي. لم يستطع ملحم الإقلاع عن المخدرات، ودخل إلى السجن لفترات متقطعة، بتهم التعاطي والإتجار بالمخدرات والسرقة، كان آخرها في العام 2008، ليعود ويخرج منذ أشهر ثلاثة، بعد صدور حكمه، وتبين أنه قد قضى في السجن فترة أطول من محكوميته، بسنوات ثلاث.
يعاني ملحم منذ ثلاث عشرة سنة من التهاب الكبد الوبائي ـ س، وقد التقطه بسبب تشاركه حقن المخدرات مع أشخاص آخرين، ويقول إنه «قضى فترات طويلة في السجن من دون أن يخضع للعلاج اللازم له، ما فاقم حالته وأدى إلى تشمع كبده وأمراض أخرى». يخضع ملحم اليوم للعلاج على الإدمان مع جمعية «عدل ورحمة»، التي تحاول أن تنال موافقة وزارة الصحة لعلاجه من التهاب الكبد الوبائي ـ س، وتأمين الحقن الأسبوعية اللازمة لعلاجه والتي تبلغ قيمة كل منها 750 ألف ليرة. وتقول ممرضة في الجمعية جويل إن «أي انقطاع للحقن العلاجية يعني أنه علينا العودة بالعلاج إلى نقطة الصفر، علماً بأننا لا نملك أي إحصاءات حول نسبة المصابين بالتهاب الكبد الوبائي ـ ب أو بالتهاب الكبد الوبائي ـ س في سجن رومية، لا سيما أن السجناء لا يخضعون للفحص الأخير هذا عند دخولهم إلى السجن، بل يُرجح أن تكون النسب مرتفعة جداً».
يحاول ملحم منذ ثلاثة أشهر أن يعود ليبني ما يعتبره مستحيلا، أي حياة جديدة يسلك فيها الطريق الصحيح. يقول إنه يحاول أن يبحث عن وظيفة، ولكن، «من الآن لحين إيجادها، ربما أموت من الجوع، وربما يجعلني السجن مجرماً أكثر وبات عقلي مبرمجاً على الجريمة، وأقولها من دون خوف من أحد أو من شيء، قد أقوم غدا بسرقة تؤمن قوتي.. لا سيما أن لي في رصيدي ثلاث سنوات قضيتها في السجن إضافية عن سنوات حكمي، وبالتالي إن سرقت، لن أسجن». يقول ملحم جملته الأخيرة ويكرر: «سياسة الدولة هي التي دفعتني لأكون خارج القانون، وهذا أنا نموذج ما تخرّجه السجون

الانفجار الكبير السجن يريد إســقـاط بارود: التمرد الغاضب مستمر

 

الأخبار ٦ نيسان 2011

حاول ذوو السجناء قطع الطريق أمام السجن احتجاجاً فاصطــدموا بالقوى الأمنية (هيثم الموسوي)

اشتعلت المباني في السجن المركزي. تمرّد السجناء على «جلّاديهم»، لتبدأ حقبة جديدة. تنشّق هؤلاء هواء الحرية لساعات قليلة خارج مباني الاحتجاز، ولو من داخل أسوار السجن. بدأوا معركةً أرادوها مفتوحة حتى تحقيق المطالب. حقبة جديدة بدأت، يريد السجناء رسم معالمها، لكن قبضة الأمن ضربت بالحديد والنار

رضوان مرتضى

إنه الانفجار الكبير، لا بل قل أكثر. وقع المحظور واشتعل سجن رومية المركزي. أشعلته أيدي المسؤولين قبل السجناء المتمرّدين. سنوات الاحتقان الطويلة تشظّت مهددةً بحريق كبير. الحريق خطير ينبئ بالويل والثبور وعظائم الأمور وفق مقياس القابعين في سجن الوطن الأكبر. لكنه يأتي بمثابة حبل نجاة لأرواح السجناء المعذّبة في السجون الصغيرة الذين بُحّت أصواتهم لكثرة ما طالبوا بحقوقٍ رأى القادرون على تحقيقها أنها ثانوية.

يوم أمس، أفلت زمام الأمور من أيدي القيّمين على السجن لساعات. سقطت المباني، واحداً تلو الآخر. الـ«د» و«ب» ومبنى الأحداث والمحكومين سقطت «عسكرياً» حسب توصيف السجناء المتمرّدين. احتلّ «الثوّار الجدد» أبنية احتجازهم الأربعة والمساحات المحيطة بها. لم يكتفوا بذلك، بل أخذوا رهائن من سجّانيهم لرفع سقف التفاوض مع غريمهم. وسائل المعركة كلّها متوافرة. الحديد والنار وقوارير الغاز، وحتى الدماء كانت حاضرة. الأحمر القاني سال بغزارة من أجساد المنتفضين بعدما شطّبوا أجسادهم لإرهاب «عدوّهم». فتحوا المباني على بعضها ورفعوا أصواتهم صارخين للرئيس. يريدون خفض سنة السجن إلى تسعة أشهر والعفو العام ولا شيء سوى ذلك.

حلقات التمرّد

مراحل التمرّد جاءت على شكل جولات. بدأت المرحلة الأولى مساء الجمعة لتنتهي بعد ظهر الأحد، تلتها استراحة محارب لم تتجاوز ساعات قليلة قبل أن يتجدد التمرّد بعد ظهر الاثنين بفعل استفزازٍ قام به أحد الضبّاط الذي أراد تأديب السجناء. المرحلة الثانية استدعت حشد القوى الأمنية وقادتها لبدء التفاوض من جديد أملاً في الوصول إلى الهدنة، تولّى فيها قائد الدرك العميد صلاح جبران التفاوض مع السجناء المتمرّدين من دون جدوى بسبب إصرار السجناء على مطالبهم، لكنه تمكّن من كسب الهدوء لبعض الوقت. الهدوء الحذر كان زائفاً، فهو لم يدم طويلاً؛ إذ انحسر التمرّد لبضع ساعات أثناء انعقاد مجلس الأمن المركزي برئاسة وزير الداخلية والبلديات زياد بارود الذي بدأ عند الساعة الحادية عشر ظهراً، قبل أن ينفجر الوضع مباشرة بعد انتهائه.

اجتماع مجلس الأمن المركزي

الغريب أن ما أعلنه الوزير زياد بارود عما جرى تداوله خلال اجتماع مجلس الأمن المركزي لم يكن مستفزاً على الإطلاق. فقد أكّد الوزير بارود أحقيّة مطالب السجناء، باستثناء إبدائه التعجب من توقيت التمرّد الذي يشير إلى استغلال قضية السجناء سياسياً، مؤكداً رفضه لاستعمال السجناء وقوداً في أية رسالة سياسية. علّل الوزير بارود طول أمد المعالجة باعتمادهم العقل وسيلةً بديلة للقوّة المفرطة، منعاً لسقوط قطرة دماء واحدة، مؤكداً أن «القوى الأمنية لديها خطة للحسم الفوري، لكننا لا نزال نستمع إلى صوت العقل». عرض الوزير بارود الخطوات المبذولة خلال السنتين الماضيتين في إطار تطوير السجون، بالإضافة إلى عرضه مطالب السجناء التي تنطلق من الاكتظاظ وتمرّ ببطء المحاكمات ومعالجة وضع السجناء الأجانب، وصولاً إلى بعض التجاوزات التي يرتكبها ضباط وعناصر سيُحاسَبون. وأشار الوزير بارود إلى عدم استطاعة قوى الأمن أو وزارة الداخلية تحمّل مسؤولية لا تقع على كاهلها وحدها. وذكر أن خطة النهوض بمرفق السجون جاهزة تنقصها موافقة مجلس الوزراء والتمويل المالي. وفي ختام المؤتمر الصحفي، كشف الوزير بارود عن اتصال أجراه بالرئيس نبيه بري للوقوف على رأيه في مسألة قانون العفو، لافتاً إلى أن المقصود ليس العفو العام المطلق، بل المشروط. وأشار إلى أن الرئيس بري أعرب عن استعداده لمواكبة تقديم اقتراح قانون عفو بشروط محددة، على أن يوضَع على جدول أعمال أول جلستين بعد تأليف الحكومة، لافتاً إلى أن هذا التجاوب يُنهي جزءاً أساسياً من مأساة السجون.
انضمام مبنى المحكومين إلى التمرّد
إذاً، انتهى المؤتمر الصحافي لتنقل الوسائل الإعلامية خبر احتراق مبنى المحكومين. سحب الدخان الكثيف تصاعدت من المبنى الذي يؤوي نحو 150 محكوماً مؤبداً مقابل 45 محكوماً بالإعدام. اشتعل المبنى وانتفض السجناء المحكومون فيه، علماً بأنه عصب السجن الذي يُصنّف بمثابة الأكثر خطورة. أسباب انضمام المحكومين إلى التمرّد لم تُعرف بداية. قيل إنها ردّ فعل على تصريح الوزير بارود الذي لم يقدّم حلّاً يُرضي آمال السجناء، لكن تبيّن بعد دقائق قليلة أنّ ما فجّر الوضع هو صدم أحد عناصر فوج المغاوير سيّدة من أهالي السجناء كانت تشارك المعتصمين في قطع الطريق أمام السجن المركزي. ووفق شهود عيان، حاول العسكري المذكور المرور بسيّارته، لكن المتظاهرين لم يسمحوا، له فداس دوّاسة البنزين وصدم المرأة المذكورة قبل أن يلوذ بالفرار من دون أن يتمكن أحد من توقيفه. الحادث المذكور أشعل المتظاهرين في الخارج الذين قطعوا الطريق مجدداً، مانعين سيارات قوى الأمن الداخلي من الخروج أو الدخول إلى مبنى السجن. أشعل المحتجون إطارات السيارات المطاطية ووضعوا العوائق في الطرقات. الخبر لم يتأخر كثيراً في الوصول إلى آذان السجناء الذين يتابعون المستجدات لحظة بلحظة بمساعدة الهواتف الخلوية التي كانت بحوزتهم. وصل الخبر فلم يُطق السجناء في مبنى المحكومين صبراً قبل أن يُضرموا النار في مطبخ المبنى. تصاعُد الدخان الأسود كان بمثابة قرع طبول الحرب لكافة السجناء. تولّى عدد من المحكومين التنسيق مع سجون المناطق. أعطوهم إشارة الانطلاق فجاء الردّ: «سنُشعل سجون زحلة والقبة وجب جنّين». أُخذ رهائن من القوى الأمنية كالعادة، وهو أمر يطرح العديد من التساؤلات؛ إذ كيف يستطيع كل من أراد القيام بتمرّد الإمساك بعنصري أمن أو ثلاثة؟ فهل اتّفق السجناء مع العسكر مقابل بدلات مالية لتسليمهم أنفسهم، أم هناك طُعم مخصص لجذب الحارس ومن ثم أسره؟ فقد تضاربت المعلومات الواردة من داخل سجن رومية. حكى البعض عن وجود ثلاثة رهائن احتُجزوا في الطابق الثالث من المبنى «ب» حيث تكمن الحلقة الأصعب، سجناء الإرهاب. جرّدوهم من ثيابهم العسكرية وألبسوهم ثياب السجن. تحدّث آخرون عن احتجاز أربعة عناصر، فيما ذهب البعض إلى الحديث عن وجود رهينة برتبة ضابط. عدد الرهائن وفق السجناء وصل إلى 12 رهينة لكن مصادر رفيعة في قوى الأمن لم تعترف بوجود أكثر من أربعة رهائن، كانوا قد احتجزوا في وقت سابق من نهار الاثنين، هم: (ر.ص.)، (ا.ز.)، (ب.د.) و(غ.ب.).
الرهائن لم يكونوا من القوى الأمنية فقط، بل كان بينهم سجناء. فقد ذكر مسؤول أمني رفيع لـ«الأخبار» أن السجناء المتمرّدين تعرّضوا لسجناء رفضوا الانجرار والمشاركة في التمرّد. ولفت المسؤول المذكور إلى أنه جرى إيذاء ستة سجناء بعنف. كذلك كان من بين الرهائن سجناء أجانب؛ فقد تحدّث أحد السجناء لوسيلة إعلامية، ذاكراً أنه يحتجز ثلاثة سجناء لديه (هولندي وسعودي وأميركي)، ورفض السجين المذكور التفاوض مع سفارات هؤلاء السجناء المحتجزين. وفي مسألة الرهائن، برز لافتاً أن بعض السجناء هددوا بقتل الموقوفين والمحكومين بتهمة التعامل مع العدو الإسرائيلي لأسباب لم تتضح خلفياتها.
بالعودة إلى التنسيق، علمت «الأخبار» أن اتصالات رفيعة المستوى أجريت لمنع هذه الخطوة عبر السيطرة على الاتصالات الصادرة من السجن، لكنها جاءت متأخرة؛ فإعلان الثورة كان قد وصل إلى معظم السجون.
هذا في ما يتعلّق بحركة السجناء. أما في الخارج، فكان الوضع في منتهى التوتّر. القوى الأمنية عالقة بين نارين: نار السجناء المتمرّدين في الداخل، ونار أهاليهم الغاضبين في الخارج. الأهالي كانوا يستفزّون القوى الأمنية، لكن الأوامر كانت واضحة بعدم الانجرار خوفاً من تطوّر الأمور. وصلت تعزيزات أمنية إلى السجن المركزي. تهيأت فرقة الفهود وارتدى عناصرها الأقنعة الواقية من الدخان. أُلقيت قنابل مسيّلة للدموع إلى داخل السجن الرابض على التلة في رومية، واستُعملت الرصاصات المطاطية في بعض الأحيان. أُصيب سجينان عُرف منهم م.ح. الذي أصيب إصابة خطرة فنقله رفاقه إلى الغرفة 158 في المبنى «ب». جميع الوقائع المذكورة كانت تجري في وقت سابق لمغيب الشمس. لم تكن عقارب الساعة قد تخطّت الساعة السادسة بعد. الاتصالات كانت لا تزال على وتيرتها. أخبار كثيرة تحكي عن صمود السجناء في وجه القوى الأمنية. في مقابلها، ورد لـ«الأخبار» اتصال من مسؤول أمني رفيع، يؤكد فيه انفلات الوضع داخل السجن مشيراً إلى أن القرار قد اتُّخذ لحماية حياة الأبرياء فيه. في هذه الأثناء، تركض امرأة تحمل هاتفاً تسأل عن صحافي يُسعفها. تُخبر من أجابها: «هل تريد أن تعرف ماذا يجري في الداخل؟»، تبكي بصوت مخنوق قائلة: «السجين (ا.ع.) توفي، وأصيب شقيقه وصديقٌ له».

قبل الاقتحام

وقع الخيار على آخر الدواء. لا بد من الكي؛ فصوت العقل لم يعد يجد لنفسه مكاناً. حسمت القوى الأمنية خيارها؛ فالاقتحام لا مفرّ منه. انتشر الخبر وصار الوقت يمرّ ثقيلاً. أعداد الأهالي بدأ يتناقص، حتى صار إحصاؤهم ممكناً على أصابع اليد الواحدة. غادر الجميع ولم يبق غير الإعلاميين ورجال الثياب المرقّطة. جنود من الجيش وعسكريون من قوى الأمن الداخلي. استمر استقدام التعزيزات وسيارات الإسعاف. ساد هدوء طويل قارب الساعة قبل أن تُسمع صفارات سيارات الإسعاف الخارجة من السجن. سرعة السيارات كانت قياسية، لكن كافية للسماح للمتفرّج بإلقاء نظرة خاطفة لرؤية شخصٍ مستلقٍ داخلها. مرّت أكثر من سيارة، معظمها كانت ناقلة للجرحى. رحلت سيارات الإسعاف وعاد الهدوء ليخيّم على الموجودين. الآن انقطع الاتصال بالسجناء وفُقد الإرسال من الهواتف الخلوية. أُطفئت الأنوار، ربما، للإيذان ببدء العملية العسكرية. إعلاميون حاولوا الاتصال بمصادرهم الأمنية لمعرفة ما يخطط له، لكن الخطوط كانت خارج الخدمة. أصوات انفجارات صغيرة بدأت تُسمع. تنتقل إلى القسم الأعلى من الجبل، فتظهر معالم السجن واضحة أمام عينيك. ترى دخاناً يتصاعد.
تلمح رجالاً يحملون بأيديهم مشاعل إضاءة ليلية يركضون بانتظام. الشرر يتطاير من سطوح عدة أبنية. تسمع أصواتاً آتية من بعيد. لا يمكن تحديدها، لكن يمكن التنبؤ بأنها صرخات. أعمدة الدخان كانت لا تزال تتصاعد. السجناء فقدوا الاتصال بالعالم الخارجي وبات مصيرهم مجهولاً. السجين ليس بطلاً، والعدو هنا ليس عنصر قوى الأمن أو الجندي المغوار. كلا هذين ضحية المسؤولين عن التفاقم الذي آلت إليه الأمور. غداً يومٌ آخر. الأكيد أن هناك عدداً من الجرحى بين السجناء أو عناصر قوى الأمن. ومن يدري، فربما سقط ضحايا أُزهقت أرواحهم، لكن تبقى الأعمال بخواتيمها. اليوم سينفض الغبار عن ركام السجن الذي احتضنت أروقته التمرّد الأسود. ستُفتتح صفحة جديدة، فهل يُستأصل منها المرض الخبيث لتكون مشرقة مبنية على أسس العدالة والمساواة، أم أنّ آثار الدم والبارود ستبقى ماثلة كنَدبة مقرفة في وجه فتاة.


معلومات متضاربة

دخلت عناصر من فرقة الفهود وفوج المغاوير لتنفيذ الاقتحام المفترض أن يحتوي «الانفجار الكبير» الذي أراده السجناء من خلال تمرّدهم. مرّت ساعات قليلة قبل أن يخرج المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ليُعلن إحكام السيطرة على كافة مباني السجن المركزي. كانت الساعة تُشير إلى التاسعة من مساء أمس. مرّت ساعتان فصدر عن شعبة العلاقات العامة بيان أعلن فيه انتهاء التمرّد دون حصول إصابات تُذكر. ولفت البيان إلى أنه بغية التفرّغ لأعمال الصيانة وإصلاح الأضرار، تعلن المديرية العامة أن المواجهات بين نزلاء السجن وأهاليهم ستتوقف يومي الأربعاء والخميس على أن يعود العمل بهذه المواجهات وفق البرنامج المعمول به. ورغم إعلان وزير الداخلية والمدير العام لقوى الأمن الداخلي انتهاء التمرّد، عرضت قناة الجديد عند منتصف الليل، صوراً مباشرة تُظهر إعادة اشتعال المبنى «ب». اتّصلت «الأخبار» بسجناء للتأكد من صدقية إعلان انتهاء التمرّد، فنفى هؤلاء ذلك مؤكّدين استمرارهم في تمرّدهم حتى تحقيق المطالب.


التكتّم على رهائن قوى الأمن

منذ بدء التمرّد في سجن رومية المركزي، كان المسؤولون يتكتّمون بشدّة على وجود رهائن من عناصر قوى الأمن الداخلي بحوزة السجناء المتمرّدين.
لا بل ذهب بعضهم أبعد من ذلك، فقد بقي هؤلاء مصرّين على نفي وجود رهائن رغم المعلومات الأمنية التي ذكرت أسماء عناصر قوى الأمن الداخلي المحتجزين وأرقامهم العسكرية. على سبيل المثال، رفض أحد المسؤولين، خلال أحد الاتصالات، الاعتراف بوجود رهائن رغم مواجهته بأسمائهم.
وفي هذا السياق، يذكر مسؤول أمني رفيع لـ«الأخبار» أن الهدف من وراء ذلك، عدم الإضرار بأهالي العناصر المحتجزين والحفاظ على معنوياتهم. أضف إلى ذلك، عدم منح السجناء في الأبنية الأخرى نصراً قد يبرر لهم القيام بالمثل.
تجدر الإشارة إلى أن أحد السجناء أكّد لـ«الأخبار» أن ما حال دون دخول فرقة الفهود إلى المبنى في بداية التمرّد، كان التهديد بشنق عنصر الأمن المحتجز لديهم. بناءً على ما سبق، يُشار أيضاً إلى أنه يجب على المفتشية العامة في قوى الأمن الداخلي فتح تحقيق في كيفية تمكن سجناء من احتجاز سجّانيهم الذين كان يجب عليهم التنبّه وأخذ الحيطة والحذر.
ورغم تأزّم الوضع بسبب الرهائن في بداية التمرّد، إلا أنّ ذلك تكرّر أكثر من مرّة منذ بداية التمرّد حتى نهايته خلال أقل من أسبوع.


الاتصالات سلاح التمرّد

التكنولوجيا كانت نصير السجناء الذين خاضوا معركة المطالبة بالحقوق من خلالها. اتّصلوا بالإعلاميين وأرسلوا لهم الصور. هم أصحاب قضية محقة تبيح لهم استعمال المحظور، لذلك، كانت هذه الوسيلة السلاح الأمضى الذي تمكنوا عبره من شلّ البلد وإيصال قضيتهم إلى كل منزل. ففي الأوقات التي كانت تُخفي فيه القوى الأمنية ما يجري في داخل السجن، كان هؤلاء يستخدمون منابر الوسائل الإعلامية لتوضيح الصورة وبثّ شكواهم. وبالتوازي مع الدور الإيجابي الذي كانت تقوم به هذه الوسيلة، يُسجّل دورٌ سلبي بحقّها. فهي تُتّهم بأنها المحرّض الأول الذي دفع السجناء إلى الاستمرار في التمرّد على الشكل الذي جرى فيه. كذلك فإنها استُخدمت لنقل الشائعات. ورغم أن الهواتف الخلوية كانت تُهرّب إلى الداخل بتواطؤ من القوى الأمنية، استُخدمت هذه الهواتف لكشف الممارسات المشبوهة التي كان يقوم بها هؤلاء. القيّمون على هذا المرفق لحظوا هذا التأثير. وتردد أن القوى الأمنية استخدمت تقنية تمكنت من خلالها من وقف الإرسال عبر الهواتف الخلوية. تجدر الإشارة إلى أن نزلاء السجن المركزي يملكون هواتف ذكية كـ«البلاك بيري والآي فون»، يشتركون في خدماتها ويتواصلون ما بين الداخل والخارج. نضع ما سبق برسم القيّمين على السجن، ونلفت نظرهم إلى أن السجين الذي منحه رئيس الجمهورية ميشال سليمان عفواً خاصاً، كان يملك في السجن جهازاً محمولاً من نوع ماكنتوش موصولاً بالإنترنت، بالإضافة إلى جهاز هاتف من نوع بلاك بيري.

٥٠ ألف سجين

عمر نشابة

لا يمكن أن يكون الشغب هو الحلّ. ولا يمكن أن يكون القمع بالقوة هو الحلّ. ولا يمكن الضرب والتكسير والحرق والتدمير أن تأتي بالحلّ. لا تسجن الدولة فقط من ثبت لدى القضاء ارتكابه جريمة، بل من ينتظر محاكمته لسنين طويلة خلف القضبان أو من انتهت مدّة حكمه وبقي محتجزاً لعدم حيازته أوراقاً ثبوتية.
تسجن الدولة آلاف البشر في أماكن ضيّقة لا تتناسب ظروفها مع المعايير الإنسانية والحقوقية.
تسجن الدولة في لبنان نحو 5000 إنسان، وبالتالي فإن الأمر يعني أكثر من 50 ألفاً هم ذوو السجناء وأحباؤهم. ولذلك تقتضي المسؤولية مساهمة الجميع في تصحيح الخلل، عبر البحث عن الحلول المناسبة. ويبدأ حلّ مشاكل السجون بتشخيصها بدقة.
يمكن تحديد مشاكل السجون على النحو والترتيب الآتيين:
أولاً، قانون تنظيم السجون غير صالح، إذ إنه قديم العهد (صدر عام 1949)، ولم يعد يتناسب مع تطوّر السياسة العقابية من جهة، ومع التغييرات الديموغرافية في لبنان من جهة أخرى. إن ضرورة ارتكاز الإصلاح الجدي على مرجع ثابت تبرّر تحديد هذه المشكلة قبل غيرها.
ثانياً، تباطؤ المحاكمات وتأخير بتّ الدعاوى والملفات القضائية، ما يؤدي إلى احتجاز أشخاص لمدد طويلة قبل صدور الأحكام بحقّهم. فمعظم السجناء في لبنان أبرياء حتى تثبت إدانتهم أمام المحكمة.
ثالثاً، إن قوى الأمن الداخلي ليست مؤسسة متخصصة في إدارة المرافق العقابية، ولا يحظى عناصرها وضباطها ورتباؤها بالتدريب الذي يؤهلهم مهنياً لتنظيم السجون والتعامل مع السجناء. وبالتالي، يستخدم حرّاس السجون أساليب غير قانونية وغير مناسبة. ويُظلم سجناء بسبب نظام الامتيازات الخاصة التي تُمنح للشواويش وعصاباتهم.
رابعاً، تتميّز السجون بالاكتظاظ الخانق. فالغرف التي كان يفترض أن يسجن فيها شخص واحد، يُحشر فيها أربعة أو خمسة أشخاص. ويصعّب الاكتظاظ المواجهات وتفتيش الأغراض والزوّار، ويؤدي إلى نقص حاد واستنسابية في تقديم الخدمات والحقوق الأساسية لكلّ سجين.
خامساً، مباني السجون غير مناسبة، إذ إن معظمها لم يصمّم ليكون سجناً. أما البنية التحتية للسجن المركزي في رومية، فهي مهترئة، وتعاني المباني من مشاكل في الجدران والإمدادات الصحية والكهربائية.
سادساً، تعاني السجون من نقص حاد في البرامج التربوية والإصلاحية والمشاغل. فمشاهدة التلفزيون هي «النشاط» الوحيد الذي يمارسه السجناء، إضافة إلى تعاطي أدوية الأعصاب وحبوب الهلوسة التي تهرّب إلى السجن.
سابعاً، مشكلة معاناة ذوي السجناء الذين يشكون من تعامل حراس السجن معهم بقسوة. فتُعاقب الأمّ والطفلة والوالدة والعجوز على أبواب السجون، عبر انتظارهم لساعات تحت الشمس والمطر، قبل السماح لهم بمقابلة أحبائهم.
أما الحلول، فيمكن أن تبدأ عبر لجنة وزارية لمعالجة أزمة السجون، تتألف من وزارات العدل والداخلية والدفاع والأشغال والصحة والشؤون الاجتماعية والتربية. وتنبثق عن تلك اللجنة ثلاث مجموعات عمل: تؤلّف الأولى من كبار القضاة الملحقين بوزير العدل والنيابات العامة، وتعمل على مراجعة جميع الملفات القضائية للسجناء الموقوفين في السجون، إذ إن آلاف السجناء موقوفون لمدد طويلة لا تتناسب مع الحدّ الأقصى للاحتجاز قبل المحاكمة، بحسب المعايير الحقوقية الدولية. أما باقي السجناء، فمعظمهم يشكو من فساد بعض القضاة وعدم استقلاليتهم وكفاءتهم، وكذلك بعض المدّعين العامين والموظفين في قصور العدل، ما أدى إلى صدور قرارات ظالمة بحقّهم. أما مجموعة العمل الثانية فتتألف من الضباط في مصلحة الأبنية التابعة للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ومن مهندسين من مجلس الإنماء والإعمار، ومهمتها إصلاح البنية التحتية لمباني السجون، على نحو عاجل، وخصوصاً أنابيب مياه الشرب والمجاري الصحية والتهوئة والكهرباء وبوابات السجن الخارجية والداخلية. كذلك يفترض تركيب بوابات غير قابلة للخلع داخل ممرات المباني، تعمل بواسطة الضغط، وتستخدم أثناء حالات التمرّد لمنع توسّعه. وتتألف مجموعة العمل الثالثة من مندوبين عن وزارات الصحة والشؤون الاجتماعية والتربية، إضافة إلى قائد الدرك وآمر سرية السجون. حيث تطلق هذه المجموعة سلسلة من البرامج العلاجية (معالجة الإدمان) والصحية (تمارين رياضية) والتربوية (محو أمية) والمهنية (مشاغل)، وذلك بالتعاون مع الهيئات غير الحكومية. ويبقى السؤال: متى ينطلق الإصلاح؟

ماذا يريد أهالي السجناء من الدولة؟

الأخبار 6 نيسان 2011

الأم تفعل أي شيء من أجل ولدها (هيثم الموسوي)

لطالما أطلق أهالي السجناء صرخات استغاثة. لم يُسمع لهم. أشعل أبناؤهم انتفاضة داخل السجن، فأشعلوا هم الطرقات في الخارج تضامناً. أبناؤهم بلا طبابة، بلا محاكمة، بلا حقوق إنسان… بلا عدالة. ترى هل ثمة من يظن أن شخصاً خارج السجن لديه في الداخل عزيز يُعذّب، سيبقى طويلاً بلا حراك، وأنه لن يفعل أي شيء لكرامة عزيزه؟

محمد نزال

يتناقل السجناء في «رومية» رواية حصلت قبل سنوات. طلب سجين رؤية الضابط المسؤول ليشكو له معاناته. لم يتح له ذلك إلا بعد أن أحدث ضجيجاً. أثناء وقوفه أمام الضابط، أخرج شفرة من فمه وقطع بها أذنه ورماها على طاولة المكتب. لم يصرخ ألماً، بل صرخ قائلاً للضابط: «يبدو أنك لا تسمع، خذ هذه أذني ربما تسمع بها مطالبنا». هكذا، يمكن هذه الرواية أن تلخّص أسباب التمرّد الذي يشهده سجن رومية.

قبل 8 أيام، وقفت سيدة عجوز، أم أحد السجناء، أمام قصر العدل في بيروت وأطلقت صرخة. قالت: «يا حكّام لبنان، استفيقوا واتّعظوا ممن سبقوكم إلى المحاسبة على أيدي من ثاروا على الطغيان». وقفت تلك الأم مع نحو 100 أم أخرى وأطلقن صرخات الوجع في اعتصام رمزي، وذلك قبل أيام على اندلاع التمرّد الذي تشهده السجون هذه الأيام.
ربما لم يستمع الحكّام إلى تلك الصرخات، أو ربما سمعوها ولم يكترثوا، أو ربما اكترثوا ولم يتحركوا، أو ربما تحركوا ولكنهم لم يفعلوا شيئاً… فانفجرت بهم.
يوم أمس، قررت والدة حدث سجين، لا يتجاوز عمره 15 عاماً، كانت تشارك في الاحتجاج على أوضاع السجون في منطقة البقاع، أن تفعل شيئاً مدوّياً. ولأنها أم، ولأن الأم تفعل أي شيء من أجل ولدها، أشعلت النار في جسدها. لكنها لم تفارق الحياة، فنقلت إلى أحد المستشفيات لتلقّي العلاج.
ماذا تريد تلك الأمهات من الدولة اللبنانية؟ بل ماذا تريد كل عائلات السجناء في لبنان؟ لماذا نزل هؤلاء إلى الشوارع وقطعوا الطرقات خلال اليومين الماضيين؟ «كاذب من يدّعي أنه لا يعلم ماذا نريد». هكذا ردّت والدة السجين إبراهيم إبراهيم على هذه الأسئلة. وفي حديث لها مع «الأخبار» قالت: «نريد عفواً عاماً عن السجناء، وإلى حين تحقق ذلك، أريد أن ينال ولدي عناية طبية. فهو يعاني الصفيرة في الكبد. لقد كان مدمناً على المخدرات، وكنت أعالجه على نفقتي الخاصة، إلى أن أوقف وسُجن. كان يبدي تعاوناً مع العلاج، ولكن ها هو اليوم غارق في السجن المليء بالمخدرات. ضاع ابني مني، عليهم أن يعالجوه، فهو مريض وليس مجرماً».
ثمة سجين موقوف اليوم في «رومية» اسمه ناصر صبرا. منذ أسابيع ينشط نجله نور لنشر صور توثّق مشهد جسد والده «المهترئ». أصاب ناصر مرض جلدي في السجن، لكنه منذ 8 أشهر لم يتلق أيّ علاج يُذكر. يقول نور إنه تقدّم بأربعة طلبات إخلاء سبيل مشروط لوالده، بغية معالجته فقط، لكن مع ذلك رفض القضاء كل هذه الطلبات. أكثر من ذلك، يريد الشاب أن يدخل الدواء اللازم إلى والده، ولكن لا يسمح له. من جهته، يقول شقيق عبد الله صبرا، شقيق الوالد السجين، إنه كما كل الأهالي يريد «عفواً عاماً. وإلى حين ذلك، لا بد من معالجة أخي. أصبح مصاباً بالغنغرينا، ومع ذلك لا يوفرون له العلاج اللازم. اليوم نحن سلميّون في تحرّكنا، نريد حقوقنا فقط، حقوق الإنسان».
سجين آخر اسمه ذو الفقار وهبي. تسلط والدته الضوء، في سياق حديثها عن معاناة ولدها، على مشكلة «جوهرية». مشكلة يرى فيها البعض أحد أهم أسباب الظلم الحاصل في السجون، هي مشكلة التأخير في المحاكمات والتوقيف الاحتياطي «التعسّفي». تقول الوالدة، وهي تصرّ على تدوين كل كلمة، إن ولدها ما زال بلا محاكمة منذ سنتين ونصف سنة. فخلال كل هذه المدّة، لم يحضر أي جلسة أمام القضاء: «أين العدل في ذلك؟». يُشار إلى أن مشكلة الاكتظاظ الشديد الذي يشهده سجن رومية، مردّها إلى العدد الكبير من الموقوفين على ذمة التحقيق، الذين إن سوّيت أمورهم وحوكموا ينخفض عددهم بنسبة كبيرة. طبعاً، جواب «السلطة» القضائية على هذه المشكلة بات معروفاً: «نعاني من مشكلة في عدد القضاة». اللافت هنا أن ثمة تصريح لوزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، إبراهيم نجّار، يقول فيه: «إن التأخر في إحقاق العدالة هو بمثابة عدم إحقاق العدالة».
على كل حال، يمكن تلخيص مطالب السجناء وذويهم في لبنان بالآتي: عفو عام، تعجيل المحاكمات ووقف التأجيل غير المبرر، احتساب مدّة التوقيف الاحتياطي مضاعفة، الإسراع في إقرار قانون جعل السنة السجنية 9 أشهر بدل 12 شهراً، الإسراع في إقرار التعديل على المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تحدد مهل التوقيف، عدم الدمج بين عقوبة السجن والغرامة المادية والحرمان من الحقوق المدنية، الرعاية الصحية اللازمة، إلغاء الحصول على إذن من النيابة العامة لمواجهة الموقوف والاكتفاء بتدوين أسماء الداخلين حسب هوياتهم.

Baroud refuse que les prisonniers soient « utilisés comme message politique »

L’Orient Le Jour 06/04/2011

Le ministre Baroud au cours de sa conférence de presse. Photos Sami Ayad
Le ministre Baroud au cours de sa conférence de presse. Photos Sami Ayad

L’affaire de la mutinerie à la prison de Roumieh a plané sur la réunion du Conseil central de sécurité qu’a tenue hier le ministre de l’Intérieur Ziyad Baroud au siège du ministère, à Beyrouth, avec divers responsables de sécurité. « Je ne dirais pas qu’il y a eu exploitation politique de ce sujet, a déclaré Baroud au cours de la conférence de presse qui a suivi. Personnellement, je refuse que les prisonniers soient utilisés comme carburant ou comme vecteurs de messages politiques. Au-delà de tout cela, je dois préciser que j’adhère personnellement aux revendications des détenus, de même que le Conseil central de sécurité. Ce sont nos frères et sœurs, que personne ne s’imagine qu’il y a un conflit entre l’État et les prisonniers. Nous agissons avec beaucoup de précautions afin d’éviter les effusions de sang. Aujourd’hui, je garde tout cela pour moi, mais un jour, je révélerai les quatre vérités. »
À plus d’une reprise au cours de sa conférence de presse, Baroud a déclaré que son ministère « assume ses responsabilités », rappelant tout de même que les prisons sont une responsabilité partagée. Il a appelé à « arrêter les surenchères politiques contre le ministère de l’Intérieur ». « Je ne suis attaché à aucun poste et à aucun ministère, je ne suis attaché qu’au service des gens », a-t-il martelé. Interrogé sur une possible corrélation entre la mutinerie à Roumieh et la formation du gouvernement, il a répondu : « J’espère que pas, et je n’accepterai pas de contribuer à des problèmes. Je paye peut-être le prix de mon positionnement au centre et de mon sens des responsabilités. » Il a cependant refusé de nommer une partie qui aurait incité aux actes de vandalisme dans les prisons.


 

 

« Le sujet des prisons est un lourd héritage, a souligné Baroud. Toutefois, dernièrement, le travail sur les prisons a connu une avancée. » Rappelant que les prisons datent de 1943, le ministre a exprimé sa crainte que « les actes de vandalisme ne gâchent tout ce que nous avons fait depuis deux ans ». Il a évoqué « la formation de forces spéciales pour gérer la violence dans les prisons », plaidant pour « un renforcement des Forces de sécurité intérieure (FSI) qui souffrent toujours de manques graves ».
Le ministre a rappelé que les revendications des prisonniers se résumaient à plus de rapidité dans les jugements et à une solution au problème de la surpopulation des prisons. À ce sujet, il a rendu hommage « à la volonté du procureur général Saïd Mirza d’aller de l’avant dans cette affaire ». Abordant le sujet de la loi d’amnistie qui est actuellement au centre d’un débat, il a révélé avoir contacté le président du Parlement Nabih Berry au cours de la réunion du Conseil central de sécrurité pour parler de ce sujet. « Il ne nous est pas demandé de voter une loi d’amnistie pour tous les crimes, il y a des conditions et des exceptions pour certains crimes, et une importance accordée au comportement », a-t-il précisé. « Mais rien de tout cela ne peut être réalisé avant la formation du nouveau gouvernement », a-t-il cependant ajouté.

Un manque de budget
Baroud a insisté sur le fait que la solution au problème des prisons ne peut être que radicale, comme la construction de nouveaux bâtiments et la mise en application d’un plan global. « La construction de prisons a commencé, a-t-il dit. En deux ans, un budget de 19 millions de dollars a été alloué pour des constructions au Nord et au Sud, mais cela requiert du temps. » Il a assuré que son ministère a présenté au Conseil des ministres, le 27 janvier 2009, un plan temporaire appelé plan d’urgence pour les prisons, fondé sur des faits et des chiffres. « Nous avons suggéré que la responsabilité des prisons soit transférée au ministère de la Justice, et nous agissons en conséquence, mais nous ne voulons pas leur passer une boule de feu », a-t-il assuré.
Le ministre s’est toutefois plaint du manque de budget pour financer les solutions à l’intérieur des prisons existantes. « Nous n’avons pas pu débloquer le budget négligeable de 500 millions de livres pour les prisons, a-t-il déploré. Notre plan existe, nous n’avons pas attendu d’être en position de réagir. Mais comme pour tout au Liban, ce dossier a été sacrifié au profit de la politique. Nous ne promettrons pas d’améliorer la vie quotidienne à l’intérieur des prisons parce que nous n’avons pas le budget pour cela. » Il a souligné que les carences de budget étaient compensées en partie par des dons venus d’Italie, de Suisse, du Comité international de la Croix-Rouge ou encore de l’ambassade de France, en vue de la formation des gardiens.
Pour ce qui est de la violence en prison, Baroud a insisté sur « la nécessité de pénaliser les officiers et les soldats pour leurs erreurs, comme nous l’avons déjà fait précédemment ». « Certains hommes politiques essaieront d’empêcher cela, mais nous ne l’accepterons pas », a-t-il affirmé.
Ont participé à la réunion d’hier le mohafez de Beyrouth Nassif Kalouche, le procureur général Saïd Mirza, le directeur général des FSI, le général Achraf Rifi, le directeur des services de renseignements de l’armée, le général Edmond Fadel, le vice-président du service des opérations de l’armée, le général Rifaat Chokor, le secrétaire général du Conseil central de sécurité, le général Élias Khoury, le directeur de la Sûreté générale, le général Raymond Khattar, le directeur général de la Sûreté d’État, le général Georges Qaraa, le commandant de la gendarmerie, le général Salah Gebran, et le conseiller du ministre en matière de sécurité, le général Pierre Salem.

عملية تعتمد «الترهيب أكثر من التنفيذ العملاني» تنهي «انتفاضة رومية»: تأكيد على عدم معاقبة المتمردين.. والسجناء يشككون في صدقية الوعود

ج ع
انتهت «انتفاضة» سجن رومية، ليل أمس، اثر اقتحام دوريات من مغاوير الجيش و«الفهود» و«القوة الضاربة» في فرع المعلومات لمباني السجن الأربعة، من دون «ضربة كف واحدة» كما أكد مصدر أمني كان مشرفاً على العملية العسكرية لـ«السفير»، لافتاً إلى أن العملية اعتمدت على «الترهيب أكثر من التنفيذ العملاني، أي أننا كثفنا أعداد المغاوير والفهود لمباغتة السجناء بالشكل، من دون اللجوء إلى استخدام المواجهة معهم».
وأشار المصدر إلى أن القوى الأمنية أحكمت السيطرة على السجن، وقامت بـ«مسح معظم الزنزانات، لتبدأ العمل على سحب كل الممنوعات، بدءاً من الشفرة وانتهاءً بالهاتف الخلوي»، مؤكداً أن «القوى الأمنية اتفقت على عدم معاقبة أي سجين بسبب عملية التمرّد، بل العمل على نقل مطالبهم للأجهزة المعنية، كما وعدناهم سابقاً».
ولفت المصدر إلى أنه سيُصار، في القريب العاجل، إلى «تشكيلات أمنية جديدة في السجن، تراعي انتقاء ضباط لا يستفزون السجناء»، مشيراً إلى أن الخطوات المقبلة ستشمل «وصول مصلحة الأبنية لمعاينة الأضرار كخطوة ثانية بعد سحب الممنوعات، ثم تهدئة أوضاع السجناء عبر مفاوضتهم بهدوء».
وكان تمرّد السجناء قد تحوّل، أمس، إلى «انتفاضة» جماعية، بعد انضمام سجناء مبنيي «المحكومين» و«الأحداث» إلى العمليات الاحتجاجية التي بدأها سجناء مبنيي الموقوفين «دال» و«باء»، منذ صباح السبت الفائت، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية والأمنية التي يعيشونها في السجن.
وفيما تضاربت معلومات السجناء حول وقوع ضحايا من بينهم، سُمعت أصوات العيارات النارية والقنابل، في أثناء محادثات «السفير» الهاتفية مع أكثر من سجين، عند السابعة مساء، أي قبل عملية «الحسم» العسكرية.
وأكد السجناء إصابة السجين في مبنى الأحداث أحمد م. بإصابات خطيرة، في أثناء مداهمة كل من دوريات مغاوير الجيش وفرع المعلومات للمبنى، تزامناً مع مداهمات طالت مباني المحكومين والـ«دال» والـ«ب».
وفي حين التزمت المصادر الأمنية الصمت حيال مستجدات «رومية» قبل العملية العسكرية، تولى السجناء «مهمة» نقل الأحداث المباشرة من السجن، معلنين تراجعهم عن مطالبهم السابقة، أي حصرها بالإصلاحات، والتمسك بمطلب «واحد لا رجعة عنه: العفو العام عن كل المساجين»، كما أفاد «السفير» أحد السجناء، الذي عرّف عن نفسه بأنه الناطق باسم سجناء مبنى الأحداث.
وأشار السجين، الموقوف منذ ثلاث سنوات من دون محاكمة، إلى أن السجن المركزي أصبح مفتوحاً لكل السجناء، قبل السابعة ليلاً، وخالياً من العناصر الأمنية، باستثناء عناصر ثلاثة احتجزوا في المبنى «دال»، و«لم نقدم على إيذائهم لأنهم أهلنا».
وكانت «انتفاضة» الأمس قد اندلعت بعد إعلان القوى الأمنية، السبت الفائت، عن انتهاء عملية التمرّد، لتتجدد منذ صباح أمس الأول، بعد مشادات كلامية بين الموقوفين وبين الرائد وليد حرفوش، الذي أصدر المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي قراراً بفصله في الليلة ذاتها، في أثناء المفاوضات بين السجناء وبين القوى الأمنية.
وفيما كان متوقعاً أن تُخمد نيران الاحتجاجات تزامناً مع قرار الفصل، تطوّرت عملية التمرّد وأصبحت مفتوحة في السجن المركزي، قبل أن تعمد الدوريات الأمنية إلى اقتحام السجن، وإطلاق عيارات نارية مطاطية.
وعبّر أحد سجناء المبنى «دال» عن «استعدادي وبعض الزملاء للموت في هذه المعركة. فقد قطعوا عنّا المياه والطعام منذ ثلاثة أيام. لقد وعدونا بأننا في حال أنهينا عملية التمرّد فإنهم لن يتعرّضوا لنا، لكنهم نكثوا بوعودهم، ولن نصدّقهم مرة أخرى»، لافتاً إلى أن «السجناء قسموا أنفسهم: ثمة من رفع المشانق، وثمة من يجهز نفسه لقتال القوى التي ستفكر بإيذائنا».
وأكد السجين أن زملاءه «رفضوا تشكيل لجان للتفاوض مع القوى الأمنية، بسبب فقداننا للثقة بهم. تخيّلوا أنه بعد إنهاء عملية تمرّد السبت، قامت القوى الأمنية بالهجوم علينا وإبراحنا ضرباً. كيف لنا أن نصدّقهم مرة أخرى؟ لا نريد مفاوضات. نريد العفو العام!».
وبدا، في أثناء المحادثات الهاتفية مع السجناء، قبل انقطاع سبل الاتصال بهم عند السابعة ليلاً، أنهم مدركون لساعة «الحسم» التي تنتظرهم، لكنهم «لم نجد أي وسيلة أخرى غير إحراق أغطية الأسرّة واحتجاز العناصر الأمنية. نحن لا نقول أننا لسنا مجرمين. لا نقول أننا أبرياء. كل ما نقوله هو أننا، في ما نحن عليه، مظلومون».
ويضع أحد السجناء الذي كان قبل سجنه يعمل صحافياً في إحدى المجلات، مطالب السجناء في سياق تصاعدي، مفنداً إياها كالتالي: «ثمة نسبة كبيرة من بيننا لم يُصر إلى محاكمتها بعد. وثمة حياة لا يستطيع أن يعيشها الحيوان، نعيشها نحن في هذا السجن. طعام لا تأكله الفئران، ومياه تستخدم للاستهلاك وليس للشرب، وزنزانات تتسع لثلاثة أشخاص، يقبع فيها 12 شخصاً، وأدوية فاسدة، وقمع لا يتعرّض له المجرم حتى لو كان محتجزاً من العدو الإسرائيلي».
يضيف السجين: «كانت مطالبنا، في بادئ الأمر، تتمثل بتنفيذ إصلاحات تنتشلنا من هذا الواقع المرير. تلقينا وعوداً كثيرة، لم ينفذ منها بند واحد. اليوم، نقول لهم بوضوح: لا نريد أي إصلاح. نريد العفو العام. فمن سجن منذ سنوات من دون محاكمة، لن ينتظر موعد محاكمته اليوم. نقطة، انتهى».
ويشير السجين إلى أن الفساد في السجن «لا يستطيع أي عقل بشري أن يتصوّره. أنتم الآن تسمعون فقط. لكن، من الصعب تصديق كمية الفساد هنا. تخيلوا أن سجّانينا يقومون بمصادرة هواتفنا الخلوية، التي ندفع لهم أموالاً طائلة لتهريبها، ثم يطلبون منّا تسديد ضعف المبلغ الذي دفعناه لهم، كي يفكوا مصادرته. وهذا، بصراحة، أقل ما يمكن أن يُحكى في سياق الفساد».
يتناول أحد السجناء الهاتف من يد السجين، ويبدأ بالصراخ قائلاً: «نحن لم نحاكم بعد لأن العناصر الأمنية مشغولة بتلبية مطالب زوجات المسؤولين. أما أولئك غير المشغولين فيطلبون من كل سجين دفع مبلغ مئة دولار لقاء نقله إلى نظارة بعبدا. يا الله، من يصدّق بأن هذه الأمور تجري في سجن؟ ندفع الأموال لنُحاكم!».



توتر وقطع طرقات في البقاع والبداوي

الأخبار 6 نيسان 2011

احتجاج نزلاء سجن رومية المركزي امتد إلى بلدات بقاعية، إضافة إلى البداوي والمشرفية. أهالي السجناء خرجوا ليقطعوا الطرقات أو ينفذوا اعتصامات، فيما دعت جمعيات حقوقية إلى تنفيذ مطالب السجناء، وذكّرت بالأوضاع المزرية التي يعانيها النزلاء وخاصة في «رومية»

رامح حمية

أحداث سجن رومية المركزي كانت لها «ارتدادات» في بلدات بقاعية وفي المشرفية والبداوي. أهالي السجناء خرجوا يعبّرون عن غضبهم. أحرق البعض دواليب، اعتصم البعض، وأقفل آخرون الطرقات لوقت قصير. ودعت منظمات حكومية إلى النظر في أحوال السجون. لليوم الثالث على التوالي، نزل عدد من أهالي المسجونين في حي الشراونة في بعلبك، وقطعوا طريق بعلبك ـــــ حمص الدولية، عند مدخل مدينة بعلبك الشمالي، محلة التل الأبيض، بالإطارات المشتعلة والأتربة، لمدة تجاوزت ثلاث ساعات، في ظل وجود بعيد نسبياً للقوى الأمنية والجيش. وعمدوا أيضاً إلى قطع الطريق في محلة الشراونة. وقد شدد المعتصمون الذين قطعوا الطريق على أنهم لن يقدموا على فك الاعتصام إلا بعد إقرار قانون العفو العام، ومعاملة أبنائهم المساجين معاملة حسنة. وبعد قطع الطريق، تدخل عدد من فاعليات عائلة جعفر، وعمدوا إلى فتح الطريق الدولية، لكن سرعان ما تحول الأمر إلى ما يشبه «الكر والفر»، حيث أخذ بعض الشبان يقطعون الطرقات في أماكن متعددة.
في الإطار نفسه، نفّذ أهالٍ من بلدة الهرمل وقفات احتجاجية، وقُطعت طريق بعلبك ـــــ حمص الدولية في أماكن عدة، عند مفرق بلدة العين وشعث، حيث أقدم الأهالي على قطع طريق بعلبك ـــــ حمص الدولية بالإطارات المشتعلة. وفي بريتال، حُدّد موعد الساعة الرابعة بعد ظهر يوم أمس، وما إن حاولت بعض النسوة وبعض الشبان قطع الطريق الدولية بالإطارات المشتعلة، حتى سارع الجيش إلى منعهم، فعمدوا بعد ذلك إلى قطع الطريق سلمياً من دون إشعال الإطارات، وهو ما سمح به الجيش. وبعد الساعة الخامسة من عصر يوم أمس، عمد بعض الأهالي إلى قطع الطريق الدولية بعد بلدة طليا، وعند مفرق بلدة بريتال الفرعي لجهة الطيبة.
عند الخامسة والنصف عصراً، عمد المئات من أهالي السجناء الموقوفين في سجن رومية إلى قطع الطريق الدولية في البداوي شمالي طرابلس، وتحديداً عند مفرق البزار وادي النحلة. وقد اكتظ داخل مدينة طرابلس بأرتال السيارات، وما لبثت أن تدخلت لجنة من أهالي المنطقة لدى المحتجين الذين عادوا وفتحوا الطريق الدولية عند السادسة مساءً. كذلك قطع أهالي بعض المساجين وأقرباؤهم الطرق في منطقة المشرفية بالإطارات المشتعلة، وتحديداً على أوتوستراد هادي نصر الله بالاتجاهين، وباتجاه الكفاءات وشاتيلا وكنيسة مار مخايل وغاليري سمعان والغبيري ـــــ جسر المطار، وتدخلت قوة من الجيش اللبناني لفتح الطرق.
من جهة ثانية، ناشد المركز اللبناني لحقوق الإنسان الوزراء المعنيين إيجاد حل فوري للوضع في السجون، وذكّر بيان المركز «بأن الطريقة التي يعامَل بها المساجين في لبنان غير مقبولة».
في ما يتعلق بمسألة السجون، رأى معدّو البيان «أن كلاً من الجهات الفاعلة ترمي الكرة إلى ملعب الآخر، ويعدّون أنفسهم ممثلين للمجتمع المدني، غير ملتفتين إلى الكارثة الإنسانية المزمنة» في «رومية».
دعا المركز إلى «إفراغ السجون بأسرع وقت ممكن، وذلك لوضع حدّ للمعاناة غير المقبولة للأشخاص الذين قد يكون من بينهم 70 في المئة أبرياء، ما داموا لم يحاكموا بعد، أو قد انتهت مدة عقوبتهم». كذلك دعا المركز «مجلس الوزراء إلى تقديم كل دعمه لوزيري العدل والداخلية، ليصار إلى إصدار قرارات وتعديلات جذرية وفورية، تمهيداً لإطلاق الآلاف من الضحايا».
وعقد المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والجمعية اللبنانية للحقوق المدنية، مؤتمراً صحافياً أمس، دعَوَا فيه منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والمؤسسات الإعلامية إلى إطلاق تقرير منظمة العفو الدولية الخاص بإحصائيات أحكام الإعدام لعام 2010، وإطلاق الموقع الإلكتروني الأول لإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، في مقر الجمعية في الجميزة.
مدير المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية ـــــ بيروت أحمد كرعود، أوضح أن «تقرير أحكام الإعدام وما نفذ من أحكام في 2010 يلخصان التطورات الرئيسية في هذا المضمار، التي شهدها عام 2010. وقد جمعنا معلوماتنا من مصادر مختلفة، بما في ذلك البيانات الإحصائية الرسمية، والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الحكومية الدولية، ووسائل الإعلام والأبحاث الميدانية». كذلك ألقت تانيا عوض كلمة الجمعية اللبنانية للحقوق المدنية، وعُرض دور المجتمع المدني اللبناني في إلغاء عقوبة الإعدام، وأهمية إطلاق موقع إلكتروني خاص بمناهضة عقوبة الإعدام باللغة العربية، هو الأول من نوعه في لبنان.

%d bloggers like this: