Home > Arabic, Press Articles > شهادات سجناء سابقين في «رومية»: حبوب في الأيام العادية.. وهيرويين في الأعياد!

شهادات سجناء سابقين في «رومية»: حبوب في الأيام العادية.. وهيرويين في الأعياد!

في المرة الأولى التي تعاطى خلالها أسامة المخدرات في سجن رومية، لم يضطر إلى دفع مبلغ مادي مقابلها: «كانت ضيافة»، يقول. في وقت لاحق، كان الشاب الثلاثيني، يستعين بـ«المبالغ المالية التي يوفرها له أهله في قسم الأمانات ليشتري المخدرات من داخل السجن، من سجناء أو من عناصر قوى الأمن على حد سواء». يقول أسامة الذي خرج من السجن منذ خمس سنوات، وعاد ليبني حياته ممّا يسميه ما دون الصفر، إن «المخدرات الأكثر توفراً دائما داخل السجن، كانت عبارة عن الحبوب.. ولكن، في المناسبات والأعياد المجيدة كانت تتوفر مواد مخدرة مختلفة من الهرويين والكوكايين والحقن وسواها…».
شهادة الشاب الحيّة، هي أشبه بمدخل إلى حياة لا نعرف عنها الكثير، خلف تلك القضبان التي تشتعل بالاحتجاجات وحركات التمرد منذ أيام. وأسامة ليس الوحيد الذي يحكي عن فساد مستشرٍ ساهمت فيه عدة أطراف داخل السجون اللبنانية، فهو يجلس هنا في جمعية «عدل ورحمة» مقابل مدخل سجن رومية تماماً، وإلى جانبه مجموعة من السجناء السابقين، الذين لم يترددوا في أن يرووا تجاربهم مع المخدرات داخل السجن وخارجه، وذلك ضمن نشاط خاص بالإعلام، يقام على هامش «المؤتمر الدولي الثاني والعشرين للحد من مخاطر المخدرات» الذي يقام للمرة الأولى في دولة عربية.
وبينما يتحدث أسامة عما يسميه «مدرسة سجن رومية التي تُخرّج مجرمين»، تقف أمهات وعائلات سجناء حاليين عند مدخل السجن يطالبن بمعالجة أوضاعهم القانونية والمعيشية داخل السجن. يسمعهم الشاب من دون أن يبدي أي استغراب لما يسود السجن من حركات احتجاجية الآن، ويؤكد، هو والسجناء السابقون في شهاداتهم، على أن «من يعرف اللاانضباط المستشري في الداخل، والإهمال الذي يعيش السجناء تحت وطأته، يدرك جيداً أن الوضع قابل للانفجار في أي ثانية».
يقول أسامة الذي قضى داخل سجن رومية سنتين وأربعة أشهر، إن «داخل السجن، حياة ثانية، ومجتمع قائم بحد ذاته، يعيش على قاعدة إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب. وفي المجتمع ذاته، يصادف السجين أناسا مظلومين تدرك أن مكانهم ليس هنا، وربما يكون أحدهم إنساناً صالحا صدم بسيارته مواطناً عن طريق الخطأ، وبات داخل هذه الفوضى التي تفسده أكثر من المجتمع الطبيعي، مجرماً». ويرد أسامة مشكلة الفساد في السجن بالدرجة الأولى إلى «تواطؤ عناصر من قوى الأمن المستفيدة على عدة صعد، وتعتبر قضية المخدرات، أهم «أبواب الخير» لها. ومع الأسف، إن تغير بعض العناصر بين الفترة والأخرى لأن تواطؤهم بات مفضوحاً و«طلعت ريحتهم»، لا يحلّ أي مشكلة، إذ العناصر الذي يتسلمون زمام الأمور بعدهم يكلمون طريق الفساد عينه».
ويرى أسامة أن «أبرز الثغرات التي تجعل السجن يخرّج أناساً أكثر إجراماً وأكثر إدماناً هو عدم الفصل بين سجناء بتهم مختلفة، بالإضافة إلى التعامل مع المدمن كمجرم بدلاً من معالجته. يجب التعامل معه كمريض يحتاج على توعية وعناية دقيقة، لا إلى قمع عناصر قوى الأمن التي تساهم في تسريب المواد المخدرة المختلفة لهم كجزء من اللعبة التي يشترك فيها الأغلبية داخل السجن».
بعد مرور السنوات، استطاع الشاب أن ينفض عنه سلبيات تجربة جعلته شخصاً مختلفاً، وعاد ليرمم ما دمرته سنوات الإدمان والسجن: ثقة الناس والمجتمع. ما نجح في تحقيقه بعد عمله لفترة كناشط في جمعية «عدل ورحمة»، وبعد سفره إلى مصر للتخصص في علاج الإدمان.. وها هو اليوم يعمل ما زال ناشطاً في هذا المجال، بالإضافة إلى عمله في تخصصه الأساسي في الإلكترونيات والكهرباء.
«السجن زاد من إدماني»
ما رواه أسامة، يبدو مألوفاً لتجربة لا تقل قسوة عاشها لويس بعد 13 سنة من الإدمان واستخدام المخدرات. الفارق الوحيد أن معاناة لويس ما زالت حيّة جداً، هو الذي بدأ تعاطي المخدرات منذ سن السابعة عشرة، وسجن بسببها لفترات متقطعة، وبات منذ سنة فقط حراً طليقاً. يجلس الشاب إلى جانب زوجته صولانج التي وقفت إلى جانبه في مراحل الإدمان الصعبة، وخلال فترات سجنه، ولقيت دعماً منقطع النظير من عائلتها، في حين رفضت عائلة لويس ابنها وامتنعت عن تقديم أي دعم كان يمكن أن يجعل المعاناة أسهل.
يتحدث الشاب، بكل جرأة، عن «فساد وتفلت داخل السجن، ساهم في زيادة إدماني وجعلني لا أملك المزيد لأخسره، وربما لم أستطع تقدير خسارتي إلا بعد خروجي من السجن». يقول لويس إنه «لم يكن من الصعب أبداً الحصول على المخدرات في داخل السجن، لا سيما حبوب الهلوسة «بيزكسول»، وكان يمكنني الحصول على ما أريد مقابل خدمات مختلفة وليس بالضرورة مقابل المال، إذ في واقع الأمر السجناء هم من يحكمون السجن وهم من يرتبون يومياته، ولا يتعدى عدد عناصر الامن أصابع اليد الواحد في المبنى الواحد، لا سيما في المبنين «دال» و«باء». وكنت أنا على سبيل المثال، عند نقطة تفتيش، فحظيت بفرصة لتقديم العديد من الخدمات للسجناء بينها السماح بدخول الهواتف والحبوب. وكانت الجملة الأشهر التي أسمعها: مرقلنا إياه وما بتكون إلا مبسوط».
يتلقى لويس، في أثناء رواياته لتجربته، سؤالاً من أحد الصحافيين الأجانب، عن العلاج بالميثادون للمدمنين، بديلا من المخدرات وعن مدى تأمين الحقن النظيفة داخل أو خارج السجن، ويبدو لوهلة أن السؤال يأتي من خارج السياق إذ يشير إلى «عدم توفر الميثادون، وبطبيعة الحال الحقن النظيفة». ويقول إنه في مراحل إدمانه المختلفة، تشارك في استخدام الحقن مع متعاطين آخرين، واستخدم أحياناً أخرى حقنا غير نظيفة.. «ولطالما سبب ذلك مشاكل صحية، وكاد يقتلني».
يعود لويس ليشير إلى أن «مأساة رومية لا تبدأ هنا في هذا السجن، بل إن الفساد يبدأ من لحظة التوقيف، وتحل اللعنة على السجين إذا صودف أن أوقف في مخفر حبيش، وأروي من تجربتي أنا، وقد أوقفت في مخافر مختلفة، وأعترف بأني تلقيت أسوأ معاملة في مخفر حبيش، وحتى إن كنت أرى قوى الأمن تبتز المدمن بتقديم المخدرات له، لتستدرجه ليعترف بشركاء آخرين له، أو بتاجر للمخدرات».
«غداً… سأسرق»
لدى ملحم تجربة أكثر ألماً، هو الذي كان مقاتلاً سابقا في الحرب الأهلية، وبدأ تعاطي المخدرات منذ سن 17، ودخل إلى السجن بتهمة القتل والتفجير والسرقة، وعاد ليفرج عنه وفق عفو سياسي. لم يستطع ملحم الإقلاع عن المخدرات، ودخل إلى السجن لفترات متقطعة، بتهم التعاطي والإتجار بالمخدرات والسرقة، كان آخرها في العام 2008، ليعود ويخرج منذ أشهر ثلاثة، بعد صدور حكمه، وتبين أنه قد قضى في السجن فترة أطول من محكوميته، بسنوات ثلاث.
يعاني ملحم منذ ثلاث عشرة سنة من التهاب الكبد الوبائي ـ س، وقد التقطه بسبب تشاركه حقن المخدرات مع أشخاص آخرين، ويقول إنه «قضى فترات طويلة في السجن من دون أن يخضع للعلاج اللازم له، ما فاقم حالته وأدى إلى تشمع كبده وأمراض أخرى». يخضع ملحم اليوم للعلاج على الإدمان مع جمعية «عدل ورحمة»، التي تحاول أن تنال موافقة وزارة الصحة لعلاجه من التهاب الكبد الوبائي ـ س، وتأمين الحقن الأسبوعية اللازمة لعلاجه والتي تبلغ قيمة كل منها 750 ألف ليرة. وتقول ممرضة في الجمعية جويل إن «أي انقطاع للحقن العلاجية يعني أنه علينا العودة بالعلاج إلى نقطة الصفر، علماً بأننا لا نملك أي إحصاءات حول نسبة المصابين بالتهاب الكبد الوبائي ـ ب أو بالتهاب الكبد الوبائي ـ س في سجن رومية، لا سيما أن السجناء لا يخضعون للفحص الأخير هذا عند دخولهم إلى السجن، بل يُرجح أن تكون النسب مرتفعة جداً».
يحاول ملحم منذ ثلاثة أشهر أن يعود ليبني ما يعتبره مستحيلا، أي حياة جديدة يسلك فيها الطريق الصحيح. يقول إنه يحاول أن يبحث عن وظيفة، ولكن، «من الآن لحين إيجادها، ربما أموت من الجوع، وربما يجعلني السجن مجرماً أكثر وبات عقلي مبرمجاً على الجريمة، وأقولها من دون خوف من أحد أو من شيء، قد أقوم غدا بسرقة تؤمن قوتي.. لا سيما أن لي في رصيدي ثلاث سنوات قضيتها في السجن إضافية عن سنوات حكمي، وبالتالي إن سرقت، لن أسجن». يقول ملحم جملته الأخيرة ويكرر: «سياسة الدولة هي التي دفعتني لأكون خارج القانون، وهذا أنا نموذج ما تخرّجه السجون
Advertisements
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: