Archive

Archive for April 9, 2011

شهادة سجين في رومية قبع بيـن «الأرانب» و«البوطة»

الأخبار 9 نيسان 2011

 

كيف يعيش النزلاء داخل جدران سجن رومية المركزي؟ كيف يُصنّف المساجين؟ وأي شرعة تحكم العلاقات التي تجمع بينهم. أين قوى الأمن من هذه المعادلة؟ هنا شهادة سجين سابق أراد الحصول على المال بضربة واحدة ليؤمنها لأولاده

شهيرة سلّوم

دخل الشاب إلى سجن رومية. ترك طفلة تحبو وولداً يتدرب على لفظة «بابا». كان سامر (اسم مستعار) يعتقد أنه لا يحتاج إلا إلى عملية بسيطة ليسابق الرياح ويناطح السحاب. تحيّن «فرصته»؛ كل ما طُلب منه كان «توصيلة» مخدرات. لكنّها لم توصله، كما حسب، إلى «أبواب الترف»، بل إلى «أبواب رومية».
تشهد جدران ذاك السجن على حكايات مُثيرة؛ لم يصنعها ساكنوه فقط، أصحاب السوابق، بل إهمال وتواطؤ حرّاسه أيضاً. يروي السجين (قبع في «رومية» ما بين عامي 2005 ــ 2008) قصته مع المبنى، المؤلف من 3 طبقات تتضمن 58 غرفة، مساحة كل منها نحو 9 أمتار مكعبة تتسع لـ 8 أو 10 أشخاص؛ لكن توزيع المساجين على الغرف لا يتم حسب مساحتها، بل اعتباطياً وحسب «الواسطة». يتحدث سامر عن غرف لا تتسع إلا لشخص فيضعون فيها 6. وثمة غرف تتسع لـ 9 أشخاص يضعون فيها اثنين أو ثلاثة.
لكل طابق شاويشه، وكما هي حال «تركيبة البلد»، يُعتمد التوزيع «بالعدل» بين الطوائف؛ فيكون للطابق الأول شاويش، وهو سجين، سنّي مثلاً ونائبه من طائفة ثانية، وللطابق الثاني شاويش ماروني ونائب شيعي، وللثالث شاويش شيعي ونائب درزي. في المبدأ يجري تبديل الشاويش كل شهر، لكن إن عرف الشاويش «كيف يدبّر أموره» يمكن أن يبقى سنة في «منصبه» وأحياناً سنتين. «تدبير الأمور» يُقصد به تولي نشاطات «هامة»، كبيع حبوب دواء الأعصاب، التي يحصل عليها «الشاويش» من الخارج. يقول سامر إن السجن يؤمّن دواء الأعصاب (بينزيكسول الذي يسبب الهلوسة) لـ 20 في المئة (من الذين يتناولونه) بموجب وصفة طبيب، أما الباقون فيحصلون عليه من الخارج عبر «وسيط» يبيعه في الداخل ويتخذ منه باب رزق للتجارة. تُباع الحبة بسعر أغلى بكثير من سعرها في السوق الخارجي. وإن لم يتوفر المال يستعين «التجار» بالأساليب القديمة، كالمقايضة، فتباع الحبة بعلبة دخان. هناك أنواع أخرى من الأدوية التي تُباع أيضاً مثل «ريفودين»، يقايضها السجين بعلبة سجائر كي يحصل على قسط من النوم!
مسألة أخرى تشغل رومية، «الأرانب»، وهم شبان يكونون مصدر إعجاب و«رغبة» من بعض المساجين، ليس أي مساجين، وإنما «البوطة»، هؤلاء «الزعران»، كما يصفهم سجيننا السابق، يفرضون وجودهم من خلال قوّتهم الجسدية، وعادةً يتولون «النشاطات المهمة» في السجن، كبيع الحبوب «وشراء عناصر الأمن» وغيرها من الأمور «الخارجة عن القانون».
يدخل «الأرانب» إلى السجن، فتبدأ «البوطة» (وخاصة تلك التي صدرت في حق أعضائها أحكام طويلة) باستدراجها، أولاً بالكلام اللطيف، وإن لم ينفع فبوضع حبوب الهلوسة، ثم «الافتعال» بهم. البعض يستطيع أن يخلص نفسه، فيبلّغ عناصر الأمن (الدرك) الذين يفصلونه عن «روّاده». عندها قد يسعى عناصر «البوطة» إلى الانتقام منه عبر مضايقته، إلى أن يرحل إلى مبنى آخر. وكل «بوطة» يحتكر امتلاك الأدوات الحادة مثل الشفرة وغيرها. أما إذا لم يكن «أرنباً» ولديه المال فيتسلطون عليه ويسلبونه.
بعض المساجين المحكومين فترة طويلة، يعملون أحياناً في «الدعارة» داخل السجن، فيلبون رغبات من «لم تعد النساء تعني لهم شيئاً»، يقدّمون أجسادهم لإشباع نزواتهم ونزوات الآخرين مقابل المال أو ما «يقيم بالمال» كالسجائر والمأكولات وحبوب الأعصاب وغيرها، وأحياناً من «أجل الرغبة فقط».
عن دور عناصر الأمن، يقول سامر إن «الدرك يغطون ما يحصل مقابل المال، وهم يمثّلون نسبة عالية، وقد عوقب الكثير منهم، بسبب تهريب مواد كالهواتف والكاميرات وحبوب الهلوسة».
أما السخرة، ذاك «المفهوم القديم»، فقد أضاف عليها سجن رومية صفتين: الرغبة والسعي. فيسعى البعض وراء العمل بالسخرة من أجل تمرير الوقت، في المطبخ أو الصيانة أو التنظيفات والإدارة. وأحياناً يضطر الى استحضار «واسطة» من أجل الحصول على ذلك العمل الذي يقدّمه من دون مقابل مادي أو معنوي. العمل الإداري يعني تولي معاملات المساجين، أسمائهم، أرقام غرفهم والطوابق الموجودين بها. درايتهم بهذه الأمور تكون أشدّ من المسؤولين من عناصر الأمن أنفسهم، إذ إنهم يلجأون إلى السجين الإداري للحصول على المعلومات عن المساجين بطريقة أسرع. بعض السجناء يعملون كخدم، لأنهم لا يملكون المال، فيعملون مقابل السجائر والطعام.
داخل «رومية» نشاطات أخرى كلعب القمار ـــــ ليس بالضرورة على المال ـــــ وهناك نراجيل «ورفقة أمنية مسلّية» لمن له واسطة.
يتحدث السجين عن أهمية التواصل مع عائلته والمجتمع الخارجي الذي يمكن أن يخفف الكثير من المشاكل والمعاناة. خرج الشاب، فوجد طفلة تناديه «بابا» وولداً يكتب اسمه، ومنزلاً ذهب مع الريح.

مات جميل لأنه فقير

الأخبار 9 نيسان 2011

محمد نزال

سيكبر الطفل يوماً ويسأل عن والده. سيخبرونه أنه مات عام 2011 داخل سجن رومية. حتماً، سيعلم نادر (الصورة)، الطفل الذي لم يكمل ربيعه الثاني بعد، أن والده جميل أبو عنّة (27 عاماً) غادر الدنيا ذات ربيع على يد الدولة اللبنانية (أقله في المسؤولية). لم يكن جميل مجرماً أو سارقاً أو تاجر مخدرات، لكنه أُدخل السجن بسبب كونه فقيراً. فقبل 4 سنوات، صدم أحد الأشخاص بحادث سير عن طريق الخطأ. صدر بحقه حكم قضائي غيابي قضى بتغريمه 10 آلاف دولار كتعويض للمصاب. لم يكن يعلم أن ثمة حكماً غيابياً صادراً بحقه، إلى أن ذهب قبل نحو شهرين لإجراء بعض المعاملات الرسمية، حيث أوقفته القوى الأمنية. أخبروه أن عليه أن يدفع المبلغ ليخلى سبيله، فأجابهم إنه لا يملك هذا المال، عندها زجّوه في السجن ليقضي مدّة 6 أشهر خلف القضبان. هكذا، يمكن المال في لبنان أن يجنّب الإنسان السجن، وأما من لا يملك المال، فترى الدولة عن إنسانيته قد مالت.

إذاً، أُدخل جميل السجن، وهو مريض يعاني داء السكري، فأصبحت أمّه تزوره باستمرار وتأخذ له دواء «الأنسولين». لم تتكفّل إدارة السجن توفير هذا الدواء له، الذي يعلم الجميع أن مريض السكري لا يمكنه العيش طويلاً من دونه، لذلك ضاعفت والدته من عملها في تنظيف المنازل بغية تأمين ثمن هذا الدواء. هكذا هي الأم، تفعل كل شيء، وأي شيء، من أجل ولدها. حصل التمرّد الكبير في سجن رومية. لم يكن لجميل القدرة على المشاركة في التحرك. فقدت الدولة سيطرتها على السجن، فلم يعد بإمكان حرّاس السجن إيصال الأدوية إلى السجناء. اتصل جميل بأمه وأقاربه ليفعلوا شيئاً، قال لهم اتصلوا بأحد ما لكي أُنقل من هنا، أو فليوصلوا إلي الدواء «وإلا فسأموت». حصل ما كان يخشاه، أصابته نوبة انخفاض السُكر في الدم، فراح يرتجف جسده على مرأى السجناء العاجزين عن فعل شيء. تقول والدته إنها اتصلت بأحد المسؤولين في السجن وأخبرته عن حال ولدها، فلم تسمع منه سوى عبارة: «حلّي عنا مش فاضيين ومش قادرين نعمل شي». قاطعته قائلة إن جميل لن يصمد طويلاً، أرجو….. قاطعها قائلاً: «يموت الله لا يردّه». لا تريد هذه الأم شيئاً من الدنيا اليوم سوى الوصول إلى ذاك المسؤول، تريد أن تنظر في عينيه، تريد محاسبته.
فؤاد أبو عنّة، عمّ جميل، يرفض ما قيل عن سكتة قلبية أنهت حياة ابن أخيه. يؤكد أنه طلب انتداب طبيب شرعي ليكشف على الجثة ويحدد أسباب الوفاة، إلا أن إدارة السجن رفضت ذلك، مصرّةً على إناطة المهمة بنفسها. يتذكر العم، فتدمع عيناه، عندما دخل السجن ليتسلّم الجثّة. «وجدت جميل مرمياً في رواق مظلم عاري الجسد. كان لونه أزرق. قُتل ابن أخي بسبب إهمالهم لدوائه وقنابلهم الدخانية». يتضامن المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، مع مشاعر العائلة. يبدي أسفاً لما حصل «لكن هذا قدره». ماذا عن التعويض، وخاصةً أن العائلة تعاني وضعاً مادياً صعباً ولجميل طفل عمره سنة ونصف سنة؟ يؤكد ريفي لـ«الأخبار» أن «التعويض حق، وحتماً سوف يحصل، نحن نتحمل مسؤولية، فلقد فقدنا السيطرة على السجن. قريباً سنزور منزل العائلة في منطقة ساقية الجنزير لتقديم التعازي».

دماء روي برقبة من؟

الأخبار 9 نيسان 2011

رضوان مرتضى

قُتل السجين المعفى عنه روي عازار في اقتحام «رومية». انفجرت قنبلة ومزّقت رقبته. والدته كانت تنتظر خروجه لتزوّجه، أما شقيقه فيسأل: دماء أخي برقبة من؟
«بدي يّاها تُخلص وبدّي أُطلع. ما بدي إبقى هون … الوضع كارثي … مش قادرين ننام … الدخان عم يخنقنا» هي الكلمات الأخيرة التي قالها روي لشقيقه نيكولا قبل أن ينقطع الاتصال بينهما مع بدء اقتحام القوى الأمنية للسجن المركزي. لقد مرّت كلمات الشقيق الأوسط سريعة، تاركة العائلة في حالة ترقّب وصلاة لانجلاء الدخان المتصاعد من سجن رومية. الشقيق الأكبر نيكولا أوصى روي بالصلاة والاختباء لحماية نفسه من هجوم القوى الأمنية، لكنه لم يكن يعلم أنّ روح شقيقه وحدها ستُزهقها قنبلة أطلقتها القوى الأمنية. قنبلة انفجرت قرب رقبته فأزهقت الروح الساكنة جسد الشاب الثلاثيني لتُجبرها على مغادرته، قبل أن ينعم بحياة الحرية التي منّ بها عليه رئيس الجمهورية ميشال سليمان بعفو خاص. روح روي «غادرت سجنها الأصغر لتسكُن في سجن سرمدي بعيد عن هذه الدنيا» وفق تعبير نيكولا.

الغصة كانت تخنقه، فقد كان يغالب العبرة محاولاً كتمها. حزنه على شقيقه لا يُقاس بالدموع أو الكلمات. فمهما قال لن يكون كافياً للتعبير عما يشعر به. الحسرة هي أكثر ما يقتله، فعبارة «اللي بيروح بتروح عليه» لا تغادر عقله. «لماذا أخي؟ لماذا نحن … أين القضية في ما حصل … ماذا أقول للناس … أخي شهيدٌ أم مظلوم؟» … سيل من الأسئلة يُغرق رأس الشاب الذي لا يعرف كيف يُنفّس عن غضب وحُزن قاتلين. يحكي عن اتصال الوزير بارود به، آخذاً القضية على عاتقه. يشكر له مبادرته، لكنه يتساءل كيف يمكن مدافعاً شرساً عن حقوق الإنسان أن يسمح باستخدام مفرط للعنف مع سجناء عزّل. يسأل نيكولا السؤال، ثم يعُيده، من أعطى القرار باستعمال قنابل صوتية؟ ولماذا لم يستعملوا قنابل دخانية أو غازية لا تؤذي؟ حال نيكولا لا تُقارن بحال والدته. فتلك المرأة التي كانت تنتظر ابنها الأوسط ليخرج من السجن لتضمّه إلى حضنها بعد غياب سبع سنوات ستبقى تنتظر. من قاسمها دمها وروحها قُتل. قُتل في ليلة ظلماء. أما العروس التي كانت تُريد اختيارها زوجة له فلن يكون لها وجود بعد اليوم. لن تتمكن هذه المرأة المفجوعة من ملاعبة أحفادها من ابنها روي. لن تستطيع أن تخبر أحدهم بأنه يُشبه والده. فروي قد رحل وخلّف الحسرة في القلب. لا خسارة في الدنيا تُعادل خسارة الابن.
اليوم هو يوم العزاء الثالث للعائلة في كنيسة مار الياس في سن الفيل، حيث يرقد جثمان روي. العائلة والمحبّون لا يزالون هناك، لكنهم سيغادرون ليبقى روي وحيداً ينتظر انتهاء التحقيق علّه يُحصّل حقه ولو معنوياً.
روى نيكولا لـ«الأخبار» أن عائلة روي عازار تقدّمت بشكوى ادعاء بالقتل أمام فصيلة درك برمانا بحق كل من وزير الداخلية والبلديات زياد بارود والمدير العام لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي وقائد الدرك بالوكالة العميد صلاح جبران وكل من يُظهره التحقيق ضالعاً في الجريمة.

الانفجار الكبير أهالي السجناء يهددون بالثورة غضب في البقاع: عفو عام أو تمرّد الطفار

الأخبار 9 نيسان 2011

غضب أهالي السجناء في بعلبك لم تُطفئه كل المحاولات. مؤتمر صحافي عُقد أمس لرفع صوت المطالبين بالعفو العام عن السجناء، تلاه بيان قانوني ببنود متعددة، لكن صوت المحتجّين كان عالياً: نساء في الطريق يحرقن الإطارات

رامح حمية

الغضب لم يهدأ، ولم تنجح مساعي لجنة الإصلاح ومتابعة العفو العام في بعلبك ـ الهرمل في امتصاص نقمة أهالي المساجين البقاعيين في سجن روميه وغضبهم. المؤتمر الصحافي لم يحل دون قيام الأهالي بقطع طريق بعلبك ـ حمص الدولية بالإطارات المطاطية المشتعلة والأحجار. «حرقة قلوب» بعض الأمهات المطالبات فقط بالاطمئنان على أبنائهم في السجن، كانت أقوى من البيانات والتصريحات التي أطلقت في المؤتمر.

ما إن انتهى المؤتمرون من تلاوة كلماتهم حتى خرجت النسوة اللواتي حضرن المؤتمر، بالإضافة إلى بعض الشبان والفتية، وعمدوا إلى قطع الطريق الدولية، على مرمى حجر من مركز الجيش عند مدخل مدينة بعلبك الغربي، مفرق حي الشراونة ـــــ إيعات.
شددت النسوة على أن المؤتمرات الصحافية «ما بتعطي نتيجة، وإذا كانوا أطلقوا مجرمي حرب بقانون عفو، فلماذا لا يصدرون قانوناً مماثلاً للعفو عن أبنائنا!؟».
شفيق زعيتر عضو لجنة العفو العام في بعلبك ـــــ الهرمل، قال لـ«الأخبار» أنه جرى التواصل مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب نبيه بري اللذين أكدا «تفهمهما للمطالبة بالعفو العام، وموافقتهما عليه إذا طرح، لكن بعد تأليف الحكومة».
حضر المؤتمر عدد من مخاتير المنطقة وفاعلياتها وحشد من أهالي المسجونين. وبعد الوقوف دقيقة صمت على أرواح ضحايا سجن روميه، تلا عقل حمية عضو لجنة العفو العام (مسؤول عسكري سابق في حركة أمل) البيان القانوني، قال «فُرض علينا حصار تاريخي من الدولة، وبقيت الاستثمارات بعيدة عن منطقتنا»، مطالباً ببناء سجون يخرج منها «السجين إنساناً بيده مهنة، لتكن مهمة السجون الإصلاح».
المادة الأولى من البيان تضمّنت ضرورة تعليق الأحكام الجزائية الصادرة عن المحاكم بكل درجاتها، على أن تلغى مفاعيلها الإدارية ويعاد الاعتبار المعنوي والوظيفي فوراً للأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام إدارية، ومساواتهم بمن هم بالخدمة الفعلية، بالإضافة إلى استرداد جميع المذكرات والبلاغات في جرائم الحقّ العام حصراً، وكفّ الملاحقات عن الغرامات المالية والقضايا الجمركية الناشئة عنها والعالقة منها فقط، حتى تاريخ صدور هذا القانون، على أن تسقط جميعها حكماً بما فيها من أحكام إدارية وغرامات مالية وملاحقات وحجوزات بعد مرور خمس سنوات في أحكام الجنايات ومذكراتها، وثلاث سنوات في أحكام الجنح ومذكراتها عن الملاحقين الذين لا يقترن اسمهم بجريمة من نوع الجرم المعلق أو أشد، ويسقط هذا التعليق بحق كل مستفيد فور صدور حكم مبرم يدينه من نوع الجرم المعلق أو أشد. محتوى نص المادة الأولى تُستثنى منه الجرائم المحالة على المجلس العدلي وجرائم شبكات التجسس والاتصال بالعدو والإرهاب الدولي والمتفجرات، فضلاً عن الدعاوى الشخصية المتلازمة مع دعاوى الحق العام.
من جهة ثانية، طالب قاسم طليس الناطق الرسمي باسم اللجنة، الدولة بالمسارعة إلى إصدار قانون تعليق الأحكام، مشدداً على ضرورة أن تولي الدولة «المنطقة الاهتمام الكافي».
أما الشيخ بكر الرفاعي فأكّد أنّ المطالب التي أشارت إليها لجنة الإصلاح والعفو العام «اجتماعية بحتة، ولا علاقة لها بأي بنزاع سياسي أو باصطفافات، متسائلاً: «إذا كان البعض يشير إلى أن المنطقة فيها نحو 30 ألف مذكرة بحق مطلوبين، فهل هناك سجون في لبنان تستطيع أن تستوعب 30 ألف سجين؟». وطالب الرفاعي بمعالجة المشاكل التي تواجه النساء من أهالي المساجين عند دخولهم السجن، بالإضافة إلى إعادة النظر في توزيع المساجين.
بعد انتهاء الكلمات في المؤتمر ساد قاعة المطعم «هرج ومرج»، حيث عبّرت بعض النسوة عن غضبهن واستيائهن، ليعلنّ استمرارهن في «التمرد حتى الاطمئنان على أولادهن وصدور قانون العفو».
أمام غضب الأهالي المحتجّين وعملية قطع الطريق الدولية بالإطارات المطاطية، تدخّل عدد من فاعليات المنطقة للتهدئة، وإعادة فتح الطريق، لكن محاولاتهم باءت بالفشل. وقد أكد أحمد صبحي جعفر عضو لجنة العفو العام لـ«الأخبار» أن اللجنة ستعمل «بسرعة مع المسؤولين في الدولة من أجل تسريع المقابلات بين أهالي المسجونين في روميه وأبنائهم وتسهيلها، حتى تهدأ الحركات الاحتجاجية في الشارع، ليتابَع من بعدها العمل من أجل الوصول إلى إقرار قانون تعليق الأحكام».

أسبوع على اندلاع نيران رومية: هل يطفئ رماد الوعود الجمر الكامن؟

السفير 9 نيسان 2011

 

الأهالي أمام قصر العدل أمس (فادي أبو غليوم)
سجين أخلي سبيله من رومية أمس (فادي أبو غليوم)
تتكشف، يوماً بعد يوم، «شظايا» قنبلة رومية التي ما عادت موقوتة. فبعد مرور أسبوع على بدء عمليات التمرّد الاحتجاجية التي نفذها السجناء، والتي أسفرت عن سقوط قتيلين وإصابة أكثر من أربعين جريحاً، توالت أمس مواقف المسؤولين، وبعضها يدين تقصير الدولة المزمن في ملف السجون، ويظهر بعضها الآخر التضارب في وجهات النظر إزاء الموضوع، في حين لم تبادر أي جهة «تنفيذية» أو «تشريعية» بعد إلى اتخاذ قرارات تلامس الحلول الجذرية الملّحة، باستثناء بعض «العلاجات الموضعية».
ولم تقتصر الانتقادات التي توجه للجهات الرسمية على امتناع الدولة عن دفع الأموال اللازمة، بل اتسعت مطالبة بتحمّل المسؤولية في تفشي فساد العناصر الأمنية المولجة بحماية السجن، وحتى بالتعويض عن الأموال التي كان يسددها أهالي السجناء للعناصر والضباط، من أجل تسهيل ما هو حقهم القانوني: إدخال الطعام لأبنائهم.
ويوم أمس، قررت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أن تصل السجن بخط هاتفي، يمكن الأهالي من الاتصال بأبنائهم، كأنه اختراع كُشف عنه مؤخراً، أو أنه حاجة أدركت الأجهزة المعنية مدى حاجة الأهالي لها، عوضا انتظارهم لساعات وساعات أمام قصر العدل، أو مدخل السجن، للإطمئنان على صحة أبنائهم.
وفي مشهد يحاكي أيامهم السابقة للتمرد، تجمّع ذوو السجناء أمس أمام قصر العدل، مطالبين النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا أن يسمح لهم بزيارة أبنائهم، فكلف ميرزا المحامي العام التمييزي شربل أبو سمرا ترؤس لجنة من أهالي السجناء والإعلاميين للدخول إلى السجن، والاطلاع على أوضاع السجناء.
غير أنه لم يُسمح لجميع الأهالي بزيارة السجن، باستثناء من تعذر عليه معرفة مصير ذويه، فسجل سفير «منظمة حقوق الإنسان» في لبنان علي عقيل أسماء السجناء، الذين سُمح لأهاليهم بمقابلتهم والتعرّف عليهم في مبنى «معهد الموسيقى» بحضور ضباط من قوى الأمن الداخلي، وممثلين عن الوسائل الإعلامية.
وحضر إلى قاعة المبنى 25 موقوفاً، بينهم سجين جُرح خلال «الانتفاضة»، فيما خصصت غرفة داخل السجن، ضمت أعضاء الوفد برفقة قائد الدرك بالوكالة العميد صلاح جبران، تمكن بعض الأهالي من خلالها من الاطمئنان هاتفياً على أوضاع 25 سجيناً.
«السفير» في رومية
لا توحي أشجار الصنوبر الفارعة، والمصطفة على جانبي الطريق المؤدية إلى سجن «رومية» المركزي، بأن مبان متصدعة، ومتهالكة، تقبع خلف السور الكبير، تظللها قبب عسكرية متوسطة الحجم.
فور تجاوز حاجز قوى الأمن الداخلي الأول، يُكسر صخب الباحة الخارجية، الحاضنة لأهالي بعض السجناء،ويحّل محلّه هدوء سرعان ما يتحول إلى صخب من نوع آخر، عند الحاجز الثالث: سجناء يصرخون بأعلى أصواتهم، مردّدين كلمات غير مفهومة.
ينتشر «العسكر» في كل مكان، ولكل منهم مهمة يؤديها. تقابل بوابة المبنى «ب»، على بعد أمتار، بوابة المبنى «دال»، وخلفهما يقبع مبنى «المحكومين». يسود المكان صمت حذر، لا يشبه هرج ومرج السجناء قبل أسبوع.
تتدلى من نوافذ زنزانات المبنى «دال»، ثياب رثة، وبعضها ممزق، تضفي ألوان قوس قزح على المبنى المتصدّع الأركان، فيما ينتشر سواد الحريق، الذي أراده السجناء لنقل حرقة أصواتهم، على الجهة الشرقية للمبنى.
يتكئ بعض السجناء على جدران زنزاناتهم، ملتزمين الصمت، بينما تتقافز كلمات بعضهم على نحو غير مفهوم.
تصل سيارة محمّلة بالوجبات الساخنة، وتتبعها أخرى تحمل بطانيات إلى باحة المبنى، فيعلو الصراخ والتكبير.
ينقل «العسكر» وجبات الطعام للسجناء من أحد المداخل فيما ينشغل في داخل مدخل آخر، عمّال مدنيون بصيانة بوابته الرئيسية المهشّمة وعلب الكهرباء. «سيجارة.. أعطني سيجارة» يصرخ أحد السجناء من باحة «النزهة»، كإشارة للدلالة على وجود سجناء هناك.
تتجمهر، في ثوان معدودة، ثلة من السجناء الذين نزلوا إلى الباحة لأخذ قسط من الراحة، ولتنفس هواء غير ذلك المتفشّي في زنزاناتهم. «من أنتم؟»، يسأل أحدهم، قبل أن يعرف الجواب: «صحافة».
يشرع سجين ثلاثيني بوصف حال السجناء وشرح مطالبهم، متحدثاً بسرعة قبل وصول العناصر الأمنية: «هل تعرفون لماذا لم يسمحوا لكم بدخول الزنزانات؟ لأنكم ستصابون بنوبات قلبية في خلال دقيقة واحدة. نحن لا نريد عفوا عاما، لأننا ندرك أن طلبنا مستحيل تحقيقه حالياً. كل ما نريده هو أن نُحاكم على أخطائنا، وبعدل».
وفيما يتولى سجين آخر استكمال «التصريح الصحافي»، كما كانوا يرددون، يعلو الصراخ مرة ثانية: «أعطنا سيجارة ونحكي لك كل شيء». فيحاول «المستصرح» تهدئتهم، قائلا: «دعوني أشرح له مطالبنا، ولكل حادث حديث».
يكمل السجين «تصريحه»، قائلاً أن «التمرّد لم يكن هدفه العفو العام. والله نحن نريد فقط معاملتنا كبشر. أنتم لا تعرفون شيئاً عن الوضع هنا. وكل ما نستطيع قوله هو أنه لو كان للفساد اسم، لكان اسمه سجن رومية».
يؤكد الرجل أن «الوضع عاد إلى ما كان عليه اليوم (أمس)، لكننا سئمنا من الوعود. نريد حلولاً لأوضاعنا». وفيما كان يهمّ بسرد تفاصيل ما حدث في الأسبوع الفائت، وصل عناصر الأمن وطلبوا من «الإعلام» المغادرة، فيما بقي السجناء خلف قضبان زنزاناتهم بانتظار تنفيذ الوعود.
من نصف مليار إلى 7 مليارات
وفي ما يتعلق بحاجات السجن، أعلن النائب غسان مخيبر، وهو عضو في لجنتي الإدارة والعدل وحقوق الإنسان النيابيتين، أن «وزارة الداخلية طلبت من سنوات، مبلغ نصف مليار ليرة ولم تحصل على ليرة واحدة، فأصبحنا اليوم بحاجة إلى سبعة مليارات ونصف المليار ليرة».
بدوره، انتقد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، في خطبة الجمعة، انتشار المخدرات في السجون «التي أصبحت مراكز للإساءة وللظلم،» معتبرا أنه «على الدولة والمسؤولين ان يصححوا الأوضاع، إذ لا يجوز بأي صورة من الصور ترك الأمور على حالها». وسأل «لماذا لم تعالج أمور السجن حتى الآن؟»
أضاف «المظاهرات لا تصلح والاضطرابات لا تصحح، وإصلاح أمور السجناء بحاجة إلى اختصاصيين يكشفون الداء ليجدوا الدواء، والمسجون ربما يكون مظلوما وربما يكون ظالما وفاسدا، وعلينا إن نحول السجن إلى مركز طبي لمعالجة العقد وكل المشاكل فنعمل لإنقاذ الناس، وندرس أوضاع المساجين ونخصص أطباء نفسيين لحل العقد وإصلاح ذات البين ونبتعد عن الخداع والكذب والنفاق.»
إلى ذلك، رأى المجلس الأعلى لحزب «الوطنيين الأحرار» أن «حركة المساجين في سجن رومية وأهلهم ليست من البراءة التي يحاول المعنيون تصويرها، لا من حيث التوقيت، ولا لجهة الأعمال الميدانية التي تواكبها في بعض المناطق ذات الخصوصية، وترتدي طابع العنف غير المبرر»، مبديا «تفهما للمطالب المحقة كتعجيل المحاكمة وتحسين ظروف إقامة السجناء وتسهيل الزيارات كونها تندرج ضمن حقوقهم الإنسانية، وندعو بإلحاح إلى تلبيتها»، ورافضا «المنطق الذي يتم الترويج له في العلن وفي الخفاء من جهات تستغل الوضع وتعمل على تأجيجه لتحقيق مكاسب محددة».
وأعلن الحزب رفضه «المطالبة بالعفو العام ليس لانعدام أسبابه فقط، إنما أيضا لتفادي ضرب العدالة عملا بالمنحى السائد لدى بعضهم والذين يكادون يطالبون بمكافأة المجرمين القتلة، ومروجي المخــدرات لــــهدم المستقبل وقطاع الطرق والسارقين الذين يروعون الناس ويعيثون في المجتمع فـــسادا».
وفي صيدا، اعتبر رئيس «التنظيم الشعبي الناصري» أسامة سعد «أن ما يحصل في سجن روميه من أعمال تمرد وحركات احتجاج، إنما هو ناتج عن الإهمال الذي يعيش السجناء تحت وطأته، وعن الفساد في الإدارة الأمنية للسجون والفساد على الصعيد القضائي الذي لا يقوم بدوره العادل، كما أنه جزء من الفساد العام في الدولة والإدارات المعنية.»
وأكد سعد أن «سجن روميه يعاني ترديا على الصعيد المعيشي والأمني، وهو يعاني اكتظاظا هائلا في عدد السجناء»، معتبرا ان «من أبرز الثغرات داخل السجن هو عدم الفصل بين السجناء المدانين بتهم مختلفة، وفساد عناصر قوى الأمن وغياب واضح للرقابة الأمنية والإدارية».
في المقابل، حيّت النائبة بهية الحريري «جهود الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي مع وزير الداخلية وبدعم من رئيسي الجمهورية والحكومة، لأنهم استطاعوا منع تخطي الخطوط الحمراء التي أثارتها هذه الأحداث والتي كانت مقلقة للجميع».
واعتبرت أن «معاناة السجون وأحداث سجن رومية كانت مقلقة للجميع بغض النظر عن وضع السجون التي نأمل ان حلّها بشكل إنساني، والإسراع بالمحاكمات .»
هيومن رايتس ووتش
بدورها، أعلنت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في بيان أمس هو الأول منذ اندلاع أحداث رومية قبل أسبوع، إنّه يتعين «على الحكومة اللبنانية أن تباشر تحقيقاً مستقلاً في وفاة اثنين من المساجين وإصابة حوالى 45 آخرين في السادس من نيسان الحالي في سجن لبنان الرئيسي.»
أضاف البيان أنه «بعد المداهمة، طلب وزير الداخلية زياد بارود من المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، فتح تحقيق في وفاة السجينين، وقال «سيكون هناك تحقيق مفصل ومعايير صارمة». إلا أن وزارة الداخلية لم تعلن نتائج تحقيق داخلي سابق حول سوء المعاملة والفساد في سجن رومية، في أواخر العام 2008، ولم يتضح إذا ما كانت قد تمت إدانة أي شخص.»
وقال مدير مكتب المنظمة في بيروت نديم حوري «إنّ استجواباً داخلياً حول حالتي الوفاة في سجن رومية لن يكون كافيا، فلبنان معتاد على الوعود بالتحقيقات التي لا نسمع عنها مجدداً».
وقال حوري ان «حل مشاكل سجون لبنان ليس مجرد بناء سجون جديدة»، مضيفا انه «طالما أن السجناء يشقون في السجون بالشهور في انتظار المحاكمة، وطـــالما أن الأجانب يبقون رهـــن الاحتجاز بعد انتهاء محكومياتهم، فسوف تبقى السجون اللبنانية مصدراً لمعاناة لا داعي لها للنزلاء وأهلهم».

رقم هاتفي لأهالي السجناء

 

أصدر المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، أمس، قراراً قضى بـ»تشكيل لجنة من الضباط لمتابعة أوضاع تجهيز السجن المركزي في رومية، والوقوف على كافة احتياجاته الأمنية واللوجستية والطبية والغذائية، واستكمال أعمال الصيانة والتجهيزات».
وأشار بيان شعبة العلاقات العامة في المديرية إلى أنه «تم اليوم تركيب الخط الهاتفي الرقم 892999/01، والموصول على خمسة خطوط. وأصبح بإمكان ذوي السجناء الاتصال على الرقم المذكور، للاطمئنان على أوضاع أبنائهم بواسطة قيادة السجن».
%d bloggers like this: