Home > Arabic, Press Articles > أسبوع على اندلاع نيران رومية: هل يطفئ رماد الوعود الجمر الكامن؟

أسبوع على اندلاع نيران رومية: هل يطفئ رماد الوعود الجمر الكامن؟

السفير 9 نيسان 2011

 

الأهالي أمام قصر العدل أمس (فادي أبو غليوم)
سجين أخلي سبيله من رومية أمس (فادي أبو غليوم)
تتكشف، يوماً بعد يوم، «شظايا» قنبلة رومية التي ما عادت موقوتة. فبعد مرور أسبوع على بدء عمليات التمرّد الاحتجاجية التي نفذها السجناء، والتي أسفرت عن سقوط قتيلين وإصابة أكثر من أربعين جريحاً، توالت أمس مواقف المسؤولين، وبعضها يدين تقصير الدولة المزمن في ملف السجون، ويظهر بعضها الآخر التضارب في وجهات النظر إزاء الموضوع، في حين لم تبادر أي جهة «تنفيذية» أو «تشريعية» بعد إلى اتخاذ قرارات تلامس الحلول الجذرية الملّحة، باستثناء بعض «العلاجات الموضعية».
ولم تقتصر الانتقادات التي توجه للجهات الرسمية على امتناع الدولة عن دفع الأموال اللازمة، بل اتسعت مطالبة بتحمّل المسؤولية في تفشي فساد العناصر الأمنية المولجة بحماية السجن، وحتى بالتعويض عن الأموال التي كان يسددها أهالي السجناء للعناصر والضباط، من أجل تسهيل ما هو حقهم القانوني: إدخال الطعام لأبنائهم.
ويوم أمس، قررت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أن تصل السجن بخط هاتفي، يمكن الأهالي من الاتصال بأبنائهم، كأنه اختراع كُشف عنه مؤخراً، أو أنه حاجة أدركت الأجهزة المعنية مدى حاجة الأهالي لها، عوضا انتظارهم لساعات وساعات أمام قصر العدل، أو مدخل السجن، للإطمئنان على صحة أبنائهم.
وفي مشهد يحاكي أيامهم السابقة للتمرد، تجمّع ذوو السجناء أمس أمام قصر العدل، مطالبين النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا أن يسمح لهم بزيارة أبنائهم، فكلف ميرزا المحامي العام التمييزي شربل أبو سمرا ترؤس لجنة من أهالي السجناء والإعلاميين للدخول إلى السجن، والاطلاع على أوضاع السجناء.
غير أنه لم يُسمح لجميع الأهالي بزيارة السجن، باستثناء من تعذر عليه معرفة مصير ذويه، فسجل سفير «منظمة حقوق الإنسان» في لبنان علي عقيل أسماء السجناء، الذين سُمح لأهاليهم بمقابلتهم والتعرّف عليهم في مبنى «معهد الموسيقى» بحضور ضباط من قوى الأمن الداخلي، وممثلين عن الوسائل الإعلامية.
وحضر إلى قاعة المبنى 25 موقوفاً، بينهم سجين جُرح خلال «الانتفاضة»، فيما خصصت غرفة داخل السجن، ضمت أعضاء الوفد برفقة قائد الدرك بالوكالة العميد صلاح جبران، تمكن بعض الأهالي من خلالها من الاطمئنان هاتفياً على أوضاع 25 سجيناً.
«السفير» في رومية
لا توحي أشجار الصنوبر الفارعة، والمصطفة على جانبي الطريق المؤدية إلى سجن «رومية» المركزي، بأن مبان متصدعة، ومتهالكة، تقبع خلف السور الكبير، تظللها قبب عسكرية متوسطة الحجم.
فور تجاوز حاجز قوى الأمن الداخلي الأول، يُكسر صخب الباحة الخارجية، الحاضنة لأهالي بعض السجناء،ويحّل محلّه هدوء سرعان ما يتحول إلى صخب من نوع آخر، عند الحاجز الثالث: سجناء يصرخون بأعلى أصواتهم، مردّدين كلمات غير مفهومة.
ينتشر «العسكر» في كل مكان، ولكل منهم مهمة يؤديها. تقابل بوابة المبنى «ب»، على بعد أمتار، بوابة المبنى «دال»، وخلفهما يقبع مبنى «المحكومين». يسود المكان صمت حذر، لا يشبه هرج ومرج السجناء قبل أسبوع.
تتدلى من نوافذ زنزانات المبنى «دال»، ثياب رثة، وبعضها ممزق، تضفي ألوان قوس قزح على المبنى المتصدّع الأركان، فيما ينتشر سواد الحريق، الذي أراده السجناء لنقل حرقة أصواتهم، على الجهة الشرقية للمبنى.
يتكئ بعض السجناء على جدران زنزاناتهم، ملتزمين الصمت، بينما تتقافز كلمات بعضهم على نحو غير مفهوم.
تصل سيارة محمّلة بالوجبات الساخنة، وتتبعها أخرى تحمل بطانيات إلى باحة المبنى، فيعلو الصراخ والتكبير.
ينقل «العسكر» وجبات الطعام للسجناء من أحد المداخل فيما ينشغل في داخل مدخل آخر، عمّال مدنيون بصيانة بوابته الرئيسية المهشّمة وعلب الكهرباء. «سيجارة.. أعطني سيجارة» يصرخ أحد السجناء من باحة «النزهة»، كإشارة للدلالة على وجود سجناء هناك.
تتجمهر، في ثوان معدودة، ثلة من السجناء الذين نزلوا إلى الباحة لأخذ قسط من الراحة، ولتنفس هواء غير ذلك المتفشّي في زنزاناتهم. «من أنتم؟»، يسأل أحدهم، قبل أن يعرف الجواب: «صحافة».
يشرع سجين ثلاثيني بوصف حال السجناء وشرح مطالبهم، متحدثاً بسرعة قبل وصول العناصر الأمنية: «هل تعرفون لماذا لم يسمحوا لكم بدخول الزنزانات؟ لأنكم ستصابون بنوبات قلبية في خلال دقيقة واحدة. نحن لا نريد عفوا عاما، لأننا ندرك أن طلبنا مستحيل تحقيقه حالياً. كل ما نريده هو أن نُحاكم على أخطائنا، وبعدل».
وفيما يتولى سجين آخر استكمال «التصريح الصحافي»، كما كانوا يرددون، يعلو الصراخ مرة ثانية: «أعطنا سيجارة ونحكي لك كل شيء». فيحاول «المستصرح» تهدئتهم، قائلا: «دعوني أشرح له مطالبنا، ولكل حادث حديث».
يكمل السجين «تصريحه»، قائلاً أن «التمرّد لم يكن هدفه العفو العام. والله نحن نريد فقط معاملتنا كبشر. أنتم لا تعرفون شيئاً عن الوضع هنا. وكل ما نستطيع قوله هو أنه لو كان للفساد اسم، لكان اسمه سجن رومية».
يؤكد الرجل أن «الوضع عاد إلى ما كان عليه اليوم (أمس)، لكننا سئمنا من الوعود. نريد حلولاً لأوضاعنا». وفيما كان يهمّ بسرد تفاصيل ما حدث في الأسبوع الفائت، وصل عناصر الأمن وطلبوا من «الإعلام» المغادرة، فيما بقي السجناء خلف قضبان زنزاناتهم بانتظار تنفيذ الوعود.
من نصف مليار إلى 7 مليارات
وفي ما يتعلق بحاجات السجن، أعلن النائب غسان مخيبر، وهو عضو في لجنتي الإدارة والعدل وحقوق الإنسان النيابيتين، أن «وزارة الداخلية طلبت من سنوات، مبلغ نصف مليار ليرة ولم تحصل على ليرة واحدة، فأصبحنا اليوم بحاجة إلى سبعة مليارات ونصف المليار ليرة».
بدوره، انتقد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، في خطبة الجمعة، انتشار المخدرات في السجون «التي أصبحت مراكز للإساءة وللظلم،» معتبرا أنه «على الدولة والمسؤولين ان يصححوا الأوضاع، إذ لا يجوز بأي صورة من الصور ترك الأمور على حالها». وسأل «لماذا لم تعالج أمور السجن حتى الآن؟»
أضاف «المظاهرات لا تصلح والاضطرابات لا تصحح، وإصلاح أمور السجناء بحاجة إلى اختصاصيين يكشفون الداء ليجدوا الدواء، والمسجون ربما يكون مظلوما وربما يكون ظالما وفاسدا، وعلينا إن نحول السجن إلى مركز طبي لمعالجة العقد وكل المشاكل فنعمل لإنقاذ الناس، وندرس أوضاع المساجين ونخصص أطباء نفسيين لحل العقد وإصلاح ذات البين ونبتعد عن الخداع والكذب والنفاق.»
إلى ذلك، رأى المجلس الأعلى لحزب «الوطنيين الأحرار» أن «حركة المساجين في سجن رومية وأهلهم ليست من البراءة التي يحاول المعنيون تصويرها، لا من حيث التوقيت، ولا لجهة الأعمال الميدانية التي تواكبها في بعض المناطق ذات الخصوصية، وترتدي طابع العنف غير المبرر»، مبديا «تفهما للمطالب المحقة كتعجيل المحاكمة وتحسين ظروف إقامة السجناء وتسهيل الزيارات كونها تندرج ضمن حقوقهم الإنسانية، وندعو بإلحاح إلى تلبيتها»، ورافضا «المنطق الذي يتم الترويج له في العلن وفي الخفاء من جهات تستغل الوضع وتعمل على تأجيجه لتحقيق مكاسب محددة».
وأعلن الحزب رفضه «المطالبة بالعفو العام ليس لانعدام أسبابه فقط، إنما أيضا لتفادي ضرب العدالة عملا بالمنحى السائد لدى بعضهم والذين يكادون يطالبون بمكافأة المجرمين القتلة، ومروجي المخــدرات لــــهدم المستقبل وقطاع الطرق والسارقين الذين يروعون الناس ويعيثون في المجتمع فـــسادا».
وفي صيدا، اعتبر رئيس «التنظيم الشعبي الناصري» أسامة سعد «أن ما يحصل في سجن روميه من أعمال تمرد وحركات احتجاج، إنما هو ناتج عن الإهمال الذي يعيش السجناء تحت وطأته، وعن الفساد في الإدارة الأمنية للسجون والفساد على الصعيد القضائي الذي لا يقوم بدوره العادل، كما أنه جزء من الفساد العام في الدولة والإدارات المعنية.»
وأكد سعد أن «سجن روميه يعاني ترديا على الصعيد المعيشي والأمني، وهو يعاني اكتظاظا هائلا في عدد السجناء»، معتبرا ان «من أبرز الثغرات داخل السجن هو عدم الفصل بين السجناء المدانين بتهم مختلفة، وفساد عناصر قوى الأمن وغياب واضح للرقابة الأمنية والإدارية».
في المقابل، حيّت النائبة بهية الحريري «جهود الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي مع وزير الداخلية وبدعم من رئيسي الجمهورية والحكومة، لأنهم استطاعوا منع تخطي الخطوط الحمراء التي أثارتها هذه الأحداث والتي كانت مقلقة للجميع».
واعتبرت أن «معاناة السجون وأحداث سجن رومية كانت مقلقة للجميع بغض النظر عن وضع السجون التي نأمل ان حلّها بشكل إنساني، والإسراع بالمحاكمات .»
هيومن رايتس ووتش
بدورها، أعلنت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في بيان أمس هو الأول منذ اندلاع أحداث رومية قبل أسبوع، إنّه يتعين «على الحكومة اللبنانية أن تباشر تحقيقاً مستقلاً في وفاة اثنين من المساجين وإصابة حوالى 45 آخرين في السادس من نيسان الحالي في سجن لبنان الرئيسي.»
أضاف البيان أنه «بعد المداهمة، طلب وزير الداخلية زياد بارود من المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، فتح تحقيق في وفاة السجينين، وقال «سيكون هناك تحقيق مفصل ومعايير صارمة». إلا أن وزارة الداخلية لم تعلن نتائج تحقيق داخلي سابق حول سوء المعاملة والفساد في سجن رومية، في أواخر العام 2008، ولم يتضح إذا ما كانت قد تمت إدانة أي شخص.»
وقال مدير مكتب المنظمة في بيروت نديم حوري «إنّ استجواباً داخلياً حول حالتي الوفاة في سجن رومية لن يكون كافيا، فلبنان معتاد على الوعود بالتحقيقات التي لا نسمع عنها مجدداً».
وقال حوري ان «حل مشاكل سجون لبنان ليس مجرد بناء سجون جديدة»، مضيفا انه «طالما أن السجناء يشقون في السجون بالشهور في انتظار المحاكمة، وطـــالما أن الأجانب يبقون رهـــن الاحتجاز بعد انتهاء محكومياتهم، فسوف تبقى السجون اللبنانية مصدراً لمعاناة لا داعي لها للنزلاء وأهلهم».

Advertisements
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: