Home > Arabic, Press Articles > لا أصفاد تكبّل أيادينا

لا أصفاد تكبّل أيادينا

بعد مرور سنوات من المعاناة، اكتشف المسؤولون في الدولة، من فريقي 8 و14 آذار، أن سجناء «رومية» هم بشر من لحم ودم. لمّا تمرّد هؤلاء على الظلم اللاحق بهم، مضرمين النيران في زنازينهم، انتبه المؤتمنون على الدولة إلى ضرورة الإلتفات إلى ما اتفقوا على تجاهله: «ما الفرق بين سجناء رومية، وبين سجناء يعيشون بيننا في مساحة 10452 كيلومتراً؟ فلنعاملهم بالمثل، نتجاهل حقوقهم. وعندما يعلو الصوت، نغدق عليهم بالوعود».
كانوا يحتفظون باتفاقهم ككلمة سرّ. لا يعلنونها جهاراً، بل تكفي ابتسامة ماكرة من أحدهم، في معرض الرد على سؤال حول «القنبلة الموقوتة»، حتى تُضاء اللمبة فوق الرأس، وحولها نور الإجابة: «ثمة نسبة خمسة وسبعين في المئة من موقوفي السجن لم يُحاكموا. ليس في اليد حيلة. وهم، السجناء، لم يعترضوا على الأمر بعد». نقطة، انتهى.
كانت معلومة «عدم محاكمة هؤلاء»، وما زالت، تمرّ كنسمة هواء باردة، تلفح وجه المستمع بهدوء ونعومة، وفي بعض الأحيان كانت تستدعي رفع حاجبين كعلامة استغراب، قبل أن يُفتح حديث آخر، حول آخر مستجدات الحكومة المرتقبة وحقائبها الوزارية.
غير أن سردا مقتضبا لنموذج واحد من فريق «أولئك الذين لم يُحاكموا بعد»، في قالب قصصي يستسيغه اللبنانيون، ربما من شأنه أن يغيّر من حرارة تلك النسمة الباردة: قبل ثلاث سنوات، ألقت القوى الأمنية القبض على شاب عشريني بتهمة الترويج للمخدرات، بسبب وقوفه مع مجموعة كانت تضم أحد مروّجي المادة البيضاء.
وإلى يومنا هذا، ما زال الشاب قابعاً في السجن، بالرغم من تأكيدات كل أفراد المجموعة التي قُبض عليها – في أثناء التحقيقات الأولية – أنه طالب جامعي، ولا علاقة له بـ«وسخنا» كما قالوا، وقال كل من يعرفه.
حتى الساعة، لم يُحاكم ع. ص.، فيما دموع والدته تقفز من عينيها ما إن ترى وجه ابنها: عظام بادية على وجه يكشف إدمان الجسد على سمّ أبيض، بات من الصعب طرده. وجه كانت تنتظر أن ترى رأسه مكلّلاًَ بقبعة التخرّج الجامعية. أم لا حول لها ولا قوة، إلا البكاء والصبر. تصبر على موت ابنها في سجن يفتقر إلى أدنى المعايير الإنسانية.
تتبدّل حرارة نسمة الهواء تلك، لثوان معدودة، قبل الإذعان بأن «لبنان تربّى على الفساد»، كعزاء لقصة ليس مقدرا لها أن تتبدّل: فنحن سجناء بلا أصفاد، في بلد يتفشى فيه الفساد من رأس الهرم إلى.. أدناه.
السجين المظلوم لن يُحاكم ظالمه بعد إخلاء سبيله، إدراكاً منه أن لا أحد يستعيد حقوقه في بلاد الفساد، مثله مثل سجناء السجن الكبير.
اللبنانيون سجناء تختلف اتهاماتهم، كل وفقاً لانتماءاته: ثمة من تمت محاكمته في السجن الكبير، بعدما اقترع بصندوق الانتخابات، فأحكم على نفسه لوناً ما، وحوكم بقواعد الفريق الذي ينتمي إليه. وثمة من يؤمن بأنه بريء من اللعبة التي لا يريد أن يكون لاعباً فيها، حتى ولو حارس مرمى، منتظراً لحظة «الانتفاضة».
اللبنانيون سجناء بلا أصفاد، يشبهون كثيرا سجناء «رومية»: منّا القاتل المحتمي بواسطة المسؤول، ومنّا من ينتظر أن يُحاكم. بيننا من يحلم باقتناء شقة، أو تأمين وظيفة، وبيننا من نام على دولار في جيبه، واستيقظ على ملايين سلبها من جيوبنا. في «رومية» من ينام ورأسه على قدم زميله، فيما سجناء آخرون ينامون على أسرّة من ذهب.
نحن سجناء لا أصفاد تكبّل أيادينا. سجناء لم يستيقظ سجّانونا بعد. نحن سجناء لم نستيقظ على سجّانينا. لم نحرق سجننا بعد، وعندما نحرقه، سيستيقظ سجّانونا، مطلقين الوعود.. قبل أن نعود إلى زنازيننا، بوجوه وبعظام بادية، خانعة.

Advertisements
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: