Archive

Archive for April 23, 2011

تمرّد «رومية» يقتحم قاعات المحاكم

قصر العدل (أرشيف ــ بلال جاويش)

طلب القاضي هنري خوري تأجيل جلسة موقوفٍ بجريمة قتل منذ خمس سنوات. استاء الموقوف، فتلاسن مع القاضي الذي أمر بإخراجه من المحكمة. ثار الموقوف وأفلت من أيدي الحرّاس ليضرب رأسه بالحائط أكثر من مرة. سالت دماؤه في قاعة المحكمة فساد هرج ومرج

رضوان مرتضى

ركض القضاة هرباً إلى خارج قاعة المحكمة، فيما حاول رجال الأمن الإمساك بالموقوف «الهائج». لم يُفلحوا في تهدئته، كان أقوى منهم. استمرّ بضرب رأسه بالحائط، فيما كانت الدماء تسيل من أنحاء مختلفة في وجهه. لم يكفه ذلك، فتوجّه إلى زجاج النافذة ليُخرج رأسه عبر الزجاج الذي انزرعت بعض أجزائه المتطايرة في لحم وجهه. الدماء غطّت رأس الموقوف وصدره، وسط صراخ ملأ أرجاء القاعة والأروقة المحيطة بها. هدّد الموقوف الثائر بأنه سيقتل نفسه إن أُعيد إلى سجن رومية. كانت رقبته وبطنه ممزّقان.

عاود العناصر الأمنيون محاولتهم الإمساك به، لكنّ موقوفاً آخر آثر الانضمام إليه. ركض نحوهم، فيما ارتفع صوته في وجه العناصر الأمنيين: «لا تؤذوه». كرّرها أكثر من مرّة، قبل أن يستعيد مشهداً سابقاً أدّاه زميله. لقد أدخل رأسه أيضاً في «الدرفة» الأخرى للنافذة ليُحطّم زجاجها. «حالة الهستيريا التي سادت تلك اللحظات أكبر من أن توصف»، بحسب قول شاهدٍ عيان نقل تفاصيل ما حدث لـ«الأخبار». لقد نفّس الموقوفان عن غضبٍ يعتمل في نفسيهما. أعربا عن إحساسٍ بالظلم. فكلاهما ينتظر حكماً لا يُعرف متى يحنّ القاضي به عليهما.
الحادثة التي حصلت أوّل من أمس في قاعة محكمة جنايات جبل لبنان، الكائنة في قصر العدل في بعبدا، ليست الأولى من نوعها. فالمرات التي يثور فيها جنون موقوفين أمام هيئة المحكمة كثيرة، لكن ميزة ما حصل تنحصر في أنها الأولى بعد التمرّد الذي شهده السجن المركزي، إضافةً إلى أنها الأعنف. الموقوف الأوّل الذي فقد أعصابه يدعى عبد الله ع.، متّهمٌ بجريمة قتل، غير أنه حاصلٌ على إسقاطٍ شخصي من ذوي الضحية. مرّت خمس سنوات منذ توقيفه من دون أن يصدُر حكمٌ في حقه. تقدّم ذووه أكثر من مرّة بطلباتٍ لإخلاء سبيله، لكنّ القاضي ردّها جميعها، باعتبار أن القاضي خوري ملتزمٌ بالقانون لجهة أن قانون أصول المحاكمات الجزائية يسمح له بأمدٍ غير محدّّد من التوقيف الاحتياطي. في حادثة أوّل من أمس، تبادل الانفعال كل من القاضي خوري والموقوف. لقد صرخ عبد الله مطالباً باستبدال القاضي. وجّه إليه اتهامات قاسية. اتّهمه بأنه طائفيّ في التعامل. ردّ القاضي خوري الانفعال بانفعال مشابه، علماً بأنّ عمّ الموقوف سبق أن اتّهم القاضي خوري، عبر قناة تلفزيونية، بأنه متشدّد بانتقائية مع من هم من غير طائفته. ردّ القاضي على الموقوف بأنه سيتنحّى عن قضيّته. رفع الأخير صوته بالصراخ، فما كان من القاضي إلا أن أمر القوى الأمنية بإنزاله إلى النظارة ليحصل ما ذُكر. لقد جُرِح القاضي بالاتهام المسوق ضدّه، علماً بأنه مشهودٌ له بالنزاهة والحيادية واللاطائفية، وفق شهادة محامين وقضاة كُثر، غير أن بعض هؤلاء يرون أن التزام خوري الشديد بالمواد يسبّب ظلماً في بعض الحالات، ما يُعدّ مأخذاً عليه. فبحسب هؤلاء، وُُُضع القانون لخدمة الإنسان لا العكس. انطلاقاً من ذلك، يرى هؤلاء أنّ على خوري أن يطوّع المادة ليُخرجها من جمودها ويُضفي عليها نوعاً من الإنسانية التي تتعزّز عدالة القانون بها.
التمرّد الذي شهدته قاعة محكمة الجنايات لم ينفضّ إلا بعد تدخّل المحامي العام كلود كرم والقاضي أدهم قانصو الذين عملا على تهدئة الموقوفين. وطُلب إلى العسكريين إبعاد السلاح خوفاً من أن تصل يدي الموقوف إليه فتحصل مذبحة. كذلك تدخّل قاضٍ بقاعيّ إلى جانب المحامي العام، إضافة إلى الموقوف صادق م. الذي تدخّل للمساعدة في تهدئة الموقوفين الغاضبين. تبادلوا أطراف الحديث، واستمع القاضيان إلى شكوى الموقوفين. أخبروهما بأنّ ما يفعلانه سينعكس عليهما سلباً من دون تحصيل أي فائدة تُرجى. وعدوهما خيراً إن هما أنهيا احتجاجهما. وافق الموقوفان، وطلب عبد الله تقبيل يد والده ليخرجا بعدها بهدوء من قاعة المحكمة.


لقطة

الشاب الذي شارك عبد الله ع. في التمرّد الذي حصل في قاعة محكمة جنايات جبل لبنان في قصر عدل بعبدا يدعى وسام ح. وهو موقوف بتهمة محاولة اغتصاب منذ سنتين ونصف سنة دون أن يُساق لحضور أي جلسة محاكمة. الموقوف وسام ساند رفيقه عبد الله. أراد أن يتضامن معه عبر ضرب رأسه بزجاج النافذة ليسيل الدم منه، باعتبار أنه يتضامن مع نفسه. فهو يشاطره الشعور بالظلم نفسه. ربما يكون قد أخطأ وارتكب جريمة، لكنه يطلب أن يحاكم. هل يُعقل أن يوقف متهمٌ احتياطياً لأكثر من سنتين دون أن تطأ قدماه أرض المحكمة. لقد صرخ وسام مهدداً بأنه سيقتل نفسه. رفع صوته: «نحن مش كلاب … حدا يتطلّع فينا». ثار قبل أن يهدأ بعد تدخّل عدد من القضاة ليعود إلى رشده. خرج من القاعة ليصعد في آلية السوق التي ستقوده إلى زنزانته حيث سيجلس منتظراً قدوم موعد الجلسة المقبلة. وفي هذا السياق، علمت «الأخبار» أن النيابة العامة وافقت على قبول طلب إخلاء سبيل الموقوف وسام ح. الذي سيُبتّ خلال أسبوع.

ذوو نزلاء رومية يتحوّلون إلى «سجناء الرحلة الأسبوعية» والتهميش الدائم أزمة المطلوبين في بعلبك ـ الهرمل: الحلّ عبر «تصفير عدّادها بقانون للعفو العام»

ركان الفقيه

الهرمل :
تختصر العلاقة بين سجن رومية ومنطقة الهرمل، تاريخاً من الحرمان والتهميش بين أبنائها و«الدولة» التي لم تنظر يوماً إليهم كمواطنين، يملكون الحقوق ذاتها، كما جميع اللبنانيين. وتشهد على ذلك عقود من الإهمال لمنطقة، تفتقد الحد الأدنى من مقومات العيش والبنية التحتية من طرق، مياه، كهرباء وصرف صحي، يجعل سكانها نهباً للاحساس بالقهر والظروف المعيشية القاسية التي غالباً ما تنفجر «ثورة» فردية في وجه رموز «الدولة» الغريبة عنهم، وتبدأ بمخالفة بسيطة، يتحول أصحابها إلى «طفار» يجوبون جبال المنطقة وهضابها أو نزلاء في سجن رومية. وتتجاوز العلاقة بين الهرمل و«رومية» مجرد العلاقة بسجن يرقد وراء قضبانه مجموعة من المحكومين، أو الموقوفين الذين أقدموا على مخالفة القانون، فيتحول أفراد عائلاتهم إلى «سجناء» الهموم المادية والمعنوية لتأمين الحاجيات الضرورية للسجين، ولإعالة أنفسهم في آن. ولا يعود الأمر مستغرباً ان تتحول قضية عدد من «المجرمين» إلى مشكلة اجتماعية وإنسانية ومطلبية، تنفجر اعتصامات وقطع طرق من قبل أطفال أقرب إلى اليتم، بسبب وجود آبائهم في السجن، أو والدة عجوز أنهكها «السفر» الدائم بين جرود الهرمل وبيروت، وصولاً إلى «رومية» لزيارة ابن وتأمين حاجياته، في منطقة باتت نسبة كبيرة من عائلاتها تعيش تحت خط الفقر، ناهيك عن البطالة المستشرية والشلل الذي يصيب دورتها الاقتصادية.
في الهرمل، تبدو الحركة بطيئة ومتثاقلة في ساحة السبيل، المحطة الوحيدة لنقل الركاب في مدينة الهرمل إلى خارجها. ويسود السكون في الساحة، التي تتوقف في زواياها الباصات الصغيرة، وقد راح سائقوها يتبادلون اطراف الحديث والمزاح، ويوقعون بعضهم البعض في شراك «المقالب» بانتظار ركاب لا شك في أنهم سيتأخرون بقدومهم، وربما لا يأتون في كثير من الأحيان. وتجبر «المصيبة» أم أحمد الستينية على مغادرة منزل العائلة في حي المرح إلى بيروت، ثم إلى سجن رومية في رحلة أسبوعية. ويختصر الشكل الخارجي للمنزل الذي تقطنه، وما زال قيد الإنشاء منذ ثلاثة عقود، مراحل حياتها الزوجية المريرة، التي انتهت بالطلاق وبأربعة شبان وثلاث فتيات ربّتهم، لتغدو رومية مقصدها الدائم بعدما تزوّجت بناتها وأصبح السجن مأوى لأبنائها الأربعة، حيث عليها تأمين حاجاتهم، وانتظار إطلاق سراحهم، كي تحتضنهم من جديد، علهم يبدأون حياة أخرى، ويعودون كل مساء إليها، من دون خوف أو مطاردة القوى الأمنية. تثقل الهموم كاهل المرأة الأمية، التي باتت خبيرة بالهاتف الخلوي، والقانون، وأصول المحاكمات. وقد انحنى ظهرها، ورسمت تجاعيد وجهها خريطة معاناتها بوضوح تام، تردّد وهي تركب الباص إلى بيروت عبارتها الدائمة «الموت أفضل بكثير من حياة القهر والذل التي أعيشها يا ابني»، بعدما بات لزاماً عليها. تعيش أم احمد تلك الحال المأساوية منذ ثلاث سنوات، عندما بدأ أبناؤها الأربعة يدخلون السجن الواحد تلو الآخر بتهمة المتاجرة بالممنوعات، بعدما أقفلت في وجوههم سبل العيش. وقصة أم احمد واحدة من عشرات القصص الأخرى لعائلات في منطقة بعلبك – الهرمل، التي بات أبناؤها نزلاء بالجملة في السجون بدءاً من سجن سرايا مدينة بعلبك وصولاً إلى رومية.
«لا تختزن الذاكرة الجماعية لأبناء بعلبك الهرمل أي معنى إيجابي للدولة التي تمثل بالنسبة إليهم، إما فعل بوليسي أو جابٍ للضرائب»، يقول أمين سر «الرابطة الوطنية للثقافة والتنمية في الهرمل» محفوظ محفوظ، «لقد تكرس ذلك المفهوم، بسبب فشلها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، والذي تحوّل في عهد دولة الطائف إلى محاصصة فجة بين زعماء الطوائف، فكانت المنطقة الضحية الاولى لتلك السياسة، لأنها استمرت على هامش المحاصصة، التي تتم عند كل محطة يجري خلالها توزيع الغنائم، وتقاسم جبنة المشاريع الانمائية، حيث تزداد الحياة قي مدنها والقرى قسوة يوماً بعد آخر، فتلفظ أبناءها نحو أحزمة البؤس عمالاً مياومين، صغار كسبة او باعة متجولين»، مشيراً إلى أن «من يختار البقاء في أرضه، فإن حياته تتحول إلى تحدٍّ لكل عوامل الجوع والقهر والفقر، بفعل التواطؤ بين طبيعة جدباء وحكومات جاحدة تعتبر سكانها أبناء غير شرعيين لها، تضمر الشك الدائم بانتسابهم اليها، وتستخدم بعضهم إما كأزلام لأقطابها أو توكلهم بزراعة الممنوعات التي لا يتعدّى نصيب بعضهم منها سوى ما يبقيهم على قيد الحياة». ويرى محفوظ أن «كل ذلك يجعل تجاوز القانون أمراً بديهياً، فتتراكم الدعاوى ومذكرات الجلب بحق الكثير من الشبان الذين أصبحت علاقتهم بالأجهزة الأمنية، أشبه ما يكون بلعبة القط والفأر، فتتعدد وتختلط التهم بحقهم على أنواعها وأشكالها والتي غالباً ما تبدأ بمخالفة بسيطة، فيتحول صاحبها مع الوقت الى «طافر» بحكم العادة، يدفعه الهرب من قبضة العدالة الى المزيد من المخالفات، لينتهي مجرماً كبيراً أو ضحية في أحد السجون».
ويتوزع المطلوبون في المنطقة إلى أنواع عدة «من الجنح والجرائم التي تشمل الثأر، والمخدرات، والسرقة، أو التعدي على الأملاك العامة، ومخالفات السير والبناء، حيث أن الفئة الأخيرة هي ذات العدد الأكبر»، وفق أحد فعاليات عشيرة آل علوه، وعضو المجلس البلدي لمدينة الهرمل مفلح رئيس علوه، الذي يعيد جذور ظاهرة المطلوبين في المنطقة «إلى بداية عهد الاستقلال، حيث خضعت للإهمال، وتعمّد الطبقة الحاكمة في حينه، إبقاءها على هامش القرار الوطني، وإحداث المزيد من الشرخ في مجتمعها المحلي، نظراً لالتزام الغالبية الساحقة من أبناء المنطقة بالخط القومي العروبي، والمتناقض مع خيار السلطة السياسية في ذلك الوقت، حيث تمّ تعيين مستشار للعشائر عمل على شراء بعض الزعماء، وإرضائهم بتقديمات تافهة». وبلغت إلى أن استمرار الظاهرة ناتج عن «استمرار غياب التنمية المطلوبة للمنطقة من قبل الحكومات المتعاقبة، حيث ذهبت الأموال التي تمّ تخصيصها لتنمية المنطقة هباء، سواء التي قدمتها الدولة اللبنانية أو الجهات الدولية المانحة»، مشيراً إلى أنها «أنفقت كدراسات سطحية ورواتب موظفين وايجار مكاتب، ناهيك عن تسرب القسم الأكبر منها إلى جيوب الأزلام والمنتفعين، وفي الوقت الذي لا يقوم كبار المتمولين والذين جنوا ثرواتهم بواسطة زراعة وتجارة المخدرات، بتوظيفها في مشاريع استثمارية تطلق العجلة الاقتصادية في المنطقة، وتوفر فرص العمل المطلوبة لشبابها»، مؤكداً على أن «الحل الجذري للمشكلة، يبقى في تنفيذ خطة تنمية شاملة»، مقترحاً حلاً موقتاً «من خلال إصدار قانون للعفو، يجري بعده تشديد العقوبات ومضاعفتها بحق الذين يقدمون مجدداً على سلوك طريق مخالفة القانون».
ويرى أبو مصباح محمد علي ناصر الدين (أحد وجهاء عشيرة آل ناصر الدين) أن «سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السبب الرئيس لاستمرار وتفاقم ظاهرة المطلوبين»، مشيراً إلى أن «ما وصلت إليه الأوضاع الحياتية للغالبية الساحقة، يمكن أن يؤدي في أي مكان من العالم إلى اشعال ثورة اجتماعية، بسبب حال المعاناة والقهر التي يعيشها أبناء بعلبك – الهرمل»، لافتاً إلى «فقدان القيم العشائرية التي كانت في الماضي تتميز بالحفاظ على الجار والشجاعة، من دون أن تحلّ مكانها المرجعية الثقافية لروح المواطنية والتزام القانون، وبكل ما ينجم عن ذلك من أخطار وتدمير لبنية المجتمع التي يواكبها دور ملتبس لأجهزة تتولى الحفاظ على أمن المنطقة، لجهة غض الطرف عن الكثير من التجاوزات والتي تتم في كثير من الأحيان بالتنسيق مع بعض المسؤولين أو العناصر الامنية، حيث تجري ملاحقة الكثير من المواطنين الأبرياء بغية ابتزازهم فقط لا غير». وحول ما يحصل في المنطقة من اعتقال لبعض المجرمين «فيكون في غالب الأحيان أقرب إلى العمليات الاستعراضية أمام وسائل الإعلام»، وفق ناصر الدين.
وتعود الجذور التاريخية لظاهرة المطلوبين في المنطقة، برأي أستاذ علم الاجتماع في «الجامعة اللبنانية» د. علي الموسوي إلى «نظام قيم التشكيلة الاجتماعية التي سادت المنطقة، أي العشيرة والتي تعتبرالغزو مصدر سلطة وعيش وتفاخر، من دون تشكل بديل قيمي آخر حتى الآن، يعطي الأولوية لوجود الدولة الحديثة وسيادة القوانين المدنية، خصوصاً أن الدولة في لبنان ما تزال هي نفسها مبنية على التوازنات الطائفية، والمذهبية، والمناطقية، والعشائرية، والتي ما يزال تجاوز القانون ومخالفته موجوداً في صميم تركيبتها»، لافتاً إلى أن «تطبيق القانون إما أن يكون شاملاً أو يسقط، وابن العشيرة عندما يلاحظ ما يجري على الساحة الوطنية من خرق للقانون، ووجود أفراد فوق القانون نفسه، يعود جميع الناس وبما فيهم ابن العشيرة الى نظام قيمهم التقليدي». ويرى الموسوي أن ما يعزز تلك الحالة، «غياب التنمية الشاملة للمنطقة، خصوصاً التنمية الاقتصادية التي توفر الاستقرار الاجتماعي».
تقوم أكثر من لجنة تضمّ عدداً من فعاليات المنطقة ووجهاء العشائر بالسعي لدى المسؤولين لاستصدار قانون للعفو العام، يشمل أكبر عدد ممكن من المطلوبين، خصوصاً الذين صدرت بحقهم أحكام ومذكرات جلب لأمور بسيطة، لا تستدعي إبقاءهم في حالة هروب من العدالة. ويشير أحد الناشطين في ذلك الشأن محمد جعفر إلى أنه «توجد عدة آلاف مذكرات البحث والتحري الدائم بحق أفراد من المنطقة، ولكن العدد الحقيقي للمطلوبين الرئيسيين في كل الجرائم، لا يتجاوز الألفي شخص، أما من تبقى منهم فملاحقون بجنح ومخالفات بسيطة»، معتبراً أنه «زُجّ بأسماء كثيرين بفعل الضرب الذي يتعرض له الموقوف بداية، ما يدفعه إلى ذكر الأسماء من دون تدقيق، حيث يتحول أصحابها الى طفار، وبالتالي عاطلين عن العمل، ويصبحون صيداً ثمين في قبضة مافيا كبار المجرمين، خصوصاً ان سوء الحياة داخل السجون، يدفع بهم الى عدم تسليم انفسهم لفترة محددة من اجل تسوية مشكلاتهم القانونية».
ويلفت المحامي ميشال ضاهر، الذي يحمل ملفات العديد من السجناء والمطلوبين في المنطقة، إلى أن «المشكلة كبيرة جداً، ولا يمكن معالجتها من الزاوية الأمنية، لأنها متراكمة ومتعددة الجوانب، ولكن الأخطر فيها هو تحولها، وبعد تزايد عدد المطلوبين الى سبب للمزيد من الأغراق في عالم الجريمة»، معتبراً أن «لا حلّ إلا بإعادة «تصفير» عدّادها، من خلال قانون شامل للعفو».
ويرى النائب نوار الساحلي أنه «لا يمكن أن يُدافع عن مطلوبين ارتكبوا أفعالاً تدينها الشرائع الإلهية والانسانية»، ولكنه يلفت إلى أن «غالبية التهم تتعلق بزراعة المخدرات وتجارتها، خصوصاً صغار المروّجين الذين يجب الأخذ بعين الاعتبار الاوضاع الحياتية القاسية التي دفعت بهم إلى سلوك تلك الطريق التي يتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى كبار التجار»، داعياً إلى «تعديل قانون المخدرات في نواح عدة، ومنها الفصل بين جريمتي الترويج والاتجار، إذ لا يجوز الحكم على من يحمل غراماً واحداً من المخدرات بالعقوبة ذاتها التي ينالها من ضبط في حوزته عشرون كيلو غراماً من الكوكايين، حيث العقوبة نفسها»، آملاً «إعطاء القضاء صلاحية منح الأسباب التخفيفية لصغار المروجين، ومنهم فئة الشبان الذين لا تتجاوز أعمارهم العشرين عاماً، وبعضهم يضبط بوشاية من كبار التجار المحميين في مكان ما بهدف التخلص منهم لمصلحة مجموعات أخرى، تعمل لديهم بكلفة اقل». ويرى الساحلي «ضرورة صدور قانون للعفو العام يشمل كل الجرائم التي حصل بشأنها إسقاط الحق الشخصي، وتخفيض العقوبات في الجرائم الاخرى التي يكون العفو العام غير مقبول بشأنها».

%d bloggers like this: