Home > Press Articles > خياطة شفاه في رومية: عالوعد يا مسجون

خياطة شفاه في رومية: عالوعد يا مسجون

الاخبار 18/11/2011

أكثر من أسبوع ونزلاء السجن المركزي مضربون عن الطعام. أعدّ بعضهم المشانق للحظة القرار. توحد الجميع، بمن فيهم الإسلاميون، حول مطلب العفو. عزّ عليهم أن يعفى عن «اللاجئين في إسرائيل» فيما يبقون هم في النسيان. اليوم، ثمّة سباق زمني بين اقتراح عفو موعود وبين دم يمكن أن يسيل

محمد نزال

من لم يكذب على السجناء في لبنان بعد؟ من لم يُسمعهم كلاماً معسولاً، عن تحسين ظروف عيشهم، قبل أن يلبس «طاقية» الإخفاء ويضمحل؟ أي من المسؤولين لم ينظم في المقيمين خلف القضبان قصائد شعر، تضامناً معهم لرفع معاناتهم، التي لا تبدأ بالمكان «غير اللائق بالبهائم» (هكذا تحدث مروان شربل) ولا تنتهي بسير المحاكمات «السلحفاتي»؟ لا مكان داخل سجن رومية، هذه الأيام، سوى لهذه الأسئلة اليائسة.
منذ أسبوع، ضرب السجناء موعداً مع الأمعاء الخاوية. وصل عدد المضربين عن الطعام، بحسب الطلبات المقدمة رسمياً، إلى نحو 1000 شخص في السجن المركزي. بعد يومين، شعروا بأن خطوتهم لم تلق الاهتمام الرسمي والإعلامي، كما كانوا يفترضون، فقرروا فعل أشياء غير مسبوقة. أشياء لا يُنصح بمشاهدتها أصحابُ القلوب الضعيفة. منهم من خاط شفتيه الواحدة مع الأخرى، ممرراً الإبرة وخلفها الخيط في لحم وجهه. أرادوا من ذلك تأكيد جدية إضرابهم عن الطعام، وأيضاً، عدم ترك أي فرصة لإرادتهم بأن تضعف في لحظة ما. بعضهم الآخر صنع مشانق من حبال، ثم لفوها حول رقابهم، ليكونوا على جهوزية تامة لحظة أخذ القرار بالموت. استعدوا جميعاً بمختلف أدوات الغضب، التي سيؤذون بها أنفسهم، في ظل عجزهم عن الوصول إلى أي من المسؤولين.
لماذا يحصل ذلك الآن، وما سبب هذه الفورة؟ بعد طرح هذا السؤال على عدد كبير من السجناء المضربين، عبر الهواتف الخلوية المهربة، لا يمكن إلا سماع جواب واحد منهم: «لقد عفت الدولة عن عملاء إسرائيل، الذين يسمونهم لاجئين، فيما نُسينا نحن، رغم كل الوعود التي أطلقها الوزراء والنواب في المدّة الأخيرة».
هكذا، عزّ على سجناء لبنان أن يمرر مجلس النواب، قبل نحو أسبوعين، قانون «عودة اللاجئين اللبنانيين من إسرائيل» بسلاسة، بعدما كان رفض أخيراً اقتراح قانون خفض السنة السجنية، ورفض قبل ذلك أي شكل من أشكال العفو التي وعد السجناء بها. اللافت أن تحرّك السجناء الأخير لم يكن محسوباً على جهة دون أخرى، على عكس المرّات السابقة، إذ إن من يعرفون بـ«السجناء الإسلاميين» هم على رأس الإضراب هذه المرة، ما أدّى إلى نوع من الانسجام والتقارب بينهم وبين باقي السجناء من مختلف الطوائف. هكذا، أوجدت المعاناة المشتركة نوعاً من «الوحدة الوطنية».
في هذا الإطار، أوضح الشيخ نبيل رحيم، وهو سجين إسلامي خرج قبل مدّة من رومية، أن «ثمة وعياً لدى السجناء أكثر من بعض من هم في الخارج، وخاصة من المسؤولين، فالسجناء حتى اليوم كانوا حضاريين في تحركهم». وطالب رحيم، في حديث مع «الأخبار»، النواب بأن «يتعالوا قليلاً على خلافاتهم ويتوجهوا لزيارة السجون، بغية الوقوف على معاناة السجناء، وهي واحدة بين الجميع من مختلف الانتماءات، كما نطالب القضاة بزيارة السجون لطمأنة من فيها إلى مصير محاكماتهم المجمدّة، حيث إن بعضهم مضى على توقيفهم أكثر من 4 سنوات من دون حضور أي جلسة محاكمة».
يُذكر أن التحرّك الحالي للسجناء ليس موجهاً ضد القوى الأمنية المعنية بحراستهم، على عكس المرّات الماضية، وذلك بعد تيقنهم أن الضباط والعسكر ليس بيدهم حيلة لمساعدتهم، وإنما الأمر في يد النواب الذين بيدهم التشريع لأي قانون عفو أو أي إجراء تخفيفي. ويبدي أحد السجناء القدامى رضاه، ومعه غالبية السجناء، عن آمر سرية السجون الحالي العقيد عامر زيلع، الذي «يتعاطى معنا بإنسانية كبيرة، فهو يدخل إلى غرفنا باستمرار ويعمل على معالجة المشاكل البسيطة التي تحصل بيننا، وقد علمنا أنه جمع مطالبنا كلها وذهب بها إلى جلسة لجنة الإدارة والعدل ووضعها بين أيدي النواب، رافعاً عن نفسه أي مسؤولية سوى مسؤولية حراسة السجون وعمله الإداري فيها مع باقي الحراس».

قانون عفو جديد؟

علمت «الأخبار» أن النائب نوار الساحلي تقدّم بمسودة اقتراح قانون عفو مشروط، أمس، في جلسة لجنة الإدارة والعدل، وأن أعضاء اللجنة كانوا «إيجابيين» مع هذا الطرح. وسينقل كل عضو الاقتراح إلى كتلته النيابية بغية أخذ الموافقة عليه ودراسته لاحقاً. وأوضح الساحلي لـ«الأخبار» أن البحث في الجلسة «كان جدياً لإيجاد حل لمشكلة الجرائم والأحكام والملاحقات الموجودة في لبنان. لا أريد القول أكثر من ذلك، لكنني أناشد السجناء الذين بدأوا بالاعتصام السلمي والإضراب عن الطعام، والذين نتمنى ألّا يلجأوا إلى العنف، أن يعتبروا اليوم يوماً جديداً. لا نريد أن نعطيهم أملاً كبيراً، لكن إن شاء الله نستطيع أن نصل إلى قانون يفي بالغرض المطلوب لأكبر قدر ممكن من السجناء والملاحقين خارج السجن».
إلى ذلك، وبعد تمني العقيد زيلع، كلفت لجنة الإدارة والعدل النائب غسان مخيبر زيارة سجن رومية. وبالفعل، توجه مخيبر إلى السجن أمس، وتحدّث ملياً إلى السجناء، عارضاً عليهم نتائج مداولات لجنة الإدارة والعدل، التي يفترض أن تبدأ بالتبلور يوم الإثنين المقبل. تفاعل بعض السجناء مع كلمات النائب، فعاد إلى تناول الطعام والأدوية، فيما بقي البعض الآخر مصرّاً على الجوع بعدما شبع من الوعود الكثيرة سابقاً، والتي تبيّن أنها لم تكن سوى كلام في الهواء.
قبل الانتفاضة الأخيرة في سجن رومية، في شهر نيسان الماضي، لم يأخذ بعض المسؤولين تهديدات السجناء على محمل الجد. ظنّوا أن ما يقولونه مجرد تهويل وأفعال «حبحبة وتحشيش». لاحقاً، صدم هؤلاء عندما علموا أن 3 سجناء فارقوا الحياة وجرح المئات منهم، وأن الخبر بات الحدث الذي يتصدر نشرات الأخبار وعناوين الصحف. اليوم، يتمنى السجناء في رومية، وسائر السجون، ألّا ينتظر المسؤولون سقوط دم جديد ليتحركوا، لأن كثيرين من السجناء عادة، في كل العالم، لا يرون أن لديهم الكثير ليخسروه، فكيف إذا كانوا في سجون بلد، كلبنان، يعدّ فيه غير السجين سجيناً.

40 سجيناً في المستشفى

استطاع أحد السجناء، من الذين خاطوا شفاههم ببعضها، أن يصور نفسه بهاتفه الخلوي ويرسل الصورة إلى الخارج. وصلت الصورة إلى «الأخبار» عبر أحد أقرباء السجين، الذي أكد أن ما في الواقع أفظع من الصور. يُذكر أن نحو 40 سجيناً نقلوا خلال الأيام الماضية إلى المستشفيات، بسبب الإضراب المفتوح عن الطعام والامتناع عن تناول الأدوية.

http://www.al-akhbar.com/print/25997

Advertisements
Categories: Press Articles
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: