Home > Press Articles > سريان زحلة: نحن لبنانيّون أباً عن جَد ولو كَره الآخرون

سريان زحلة: نحن لبنانيّون أباً عن جَد ولو كَره الآخرون

الجمهورية 22/11/2011

هل أولئك الذين يأتون من خلف الحدود كلّ أربع سنوات للمشاركة في الاقتراع للانتخابات النيابيّة لبنانيّون أكثر منّا؟ ونحن الذين نقيم في هذه الأرض، وقدّمنا من أجلها التضحيات والشهداء، ووُلد فيها آباؤنا، وعملوا فيها، ودُفنوا تحت ترابها، صرنا غرباء ومكتومي القيد؟ نحن لبنانيّون أباً عن جَد، ولو كَره الآخرون…”

عبارة ردّدها أكثر من شخص من أبناء العائلات الأرثوذكسيّة السريانيّة في زحلة ممّن كانوا ضحيّة المرسوم 6691 الذي صدر في الجريدة الرسميّة في 10/11/2011 العدد 53، والذي تضمّن “سحب الجنسيّة اللبنانيّة من متجنّسين قبلوا في الجنسية اللبنانية بموجب المرسوم 5247 بتاريخ 20/6/1994”.

أكثر من 25 عائلة وما يتفرّع عنها طاولها هذا القرار العشوائيّ المجحف، بحيث يخبرك الزحليّون عن إخوانهم من السريان الذين ولدوا في زحلة وباتوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي، وساهموا في إعمار هذه المدينة بخبراتهم في شتّى المجالات الصناعيّة والزراعيّة والإدارية، وساهموا في الدفاع عن أسوار زحلة في وجه الغزاة، وقدّموا الشهداء، فإذا وبشَحطة قلم، وبتصرّف جائر غير مسؤول يصبح أكثر من 200 شخص من هؤلاء خارج الانتماء اللبنانيّ، ومنهم من قضى شبابه في خدمة الدولة في مجالات إدارية، وعسكرية، وتربوية.

ليسوا بعابري سبيل

منسّق لجنة المتابعة لحقوق السريان بدري عبدايم قال خلال في حديثه إلى “الجمهورية”: “لقد أُصبنا بصدمة كبيرة لدى اطّلاعنا على المرسوم الذي طاول عدداً كبيرا من أهلنا السريان، تجاوز الـ24 عائلة، وبصورة انتقائيّة وعشوائيّة، وهذا مخالف للحقوق القانونية والإنسانية لمواطنين لبنانيّين مخلصين، قدّموا من أجل لبنان أغلى التضحيات في سبيل بقائه حرّاً سيّداً منيعاً، وهم ليسوا بعابري سبيل أو يشبهون اللاجئين الفلسطينيّين الذين ينتظرون عودتهم إلى فلسطين”.

وأضاف: “نستنكر صدور هذا المرسوم الجائر بحقّ نخبة من عائلاتنا، سجلّاتهم بيضاء ليس فيها غشّ أو تزوير أو مخالفة للقانون، ومتجذّرة في هذا الوطن من مئات السنين، وأوضاعها قانونيّة، ومستنداتها صحيحة، وقامت بواجباتها في خدمة العلم والانتخاب والوظائف العامّة والخاصّة، إضافة إلى إيمانها الكنَسيّ وعلاقاتها الإيجابية المتنوّعة مع الجميع، على رغم ما أصاب مقاماتها الروحيّة، ولا سيّما التفجير في كنسية السيّدة أخيرا”.

وطالب عبدايم بسحب الموضوع من التداول الإعلاميّ حتى لا يصبح مادّة تشكيك في صدقيّة وانتماء هذه العائلات، ورفع الظلم عن أيّ مواطن وإلى أيّ طائفة انتمى. وطالب الحكومة، وخصوصا رئيس الجمهورية، بالعمل على إنصاف السريان من حيث تمثيلهم في القانون الانتخابي المرتقب، حتى لا يتكرّر الغبن التاريخي في حقهم، خصوصا أنّ فخامته يؤكّد باستمرار إنصاف الطوائف اللبنانيّة الممثّلة بالدستور…”

أهداف سياسيّة وكيديّة

وإذا كان بعض السريان في زحلة الذين طاولهم مرسوم سحب الجنسيّة يعتبرون أنّ وراء هذا القرار أهدافا سياسيّة وكيديّة وانتقاما، بسبب موقف غالبيّتهم المؤيّد لقوى 14 آذار في الانتخابات النيابية الأخيرة، ويلمّحون إلى دور ما ” للتيّار الوطنيّ الحرّ” في هذا المجال، من خلال وقوف النائب نعمة الله أبي نصر وراء صدور هذا القرار عشوائيّا وانتقائيّا، فإنّ مطران السريان الأرثوذكس بولس سفر نفى خلال حديثه لـ”الجمهورية” أن يكون وراء هذا الأمر غايات سياسيّة، “بل المسؤوليّة تقع على من وقّع هذا المرسوم بحقّ هؤلاء الذين اعتبرهم فعلا من المظلومين”، مؤكّداً أنّه “لو طاول المرسوم عائلات سريانيّة مجنّسة وتقيم في الخارج لَما كنتُ رفعت الصوت بهذه الطريقة، إنّما فوجئتُ أنّ هذا القرار طاول عائلات متجذّرة في هذه الأرض ومقيمة منذ عشرات الأعوام مع أجدادها وآبائها، ووضعها قانونيّ مئة في المئة، فمن غير العدل أن يكون هؤلاء ضحيّة تحقيقات أجرتها القوى الأمنيّة بشكل غير مسؤول وغير جدّي”.

وتابع: “إنّنا مع تطبيق القوانين بعدل وعلى الجميع، ولكنّ الخطأ طاول الطائفة السريانيّة في زحلة ليتمّ سحب الجنسيّة من 24 عائلة من السريان اعتباطيا، ومن دون وجه حقّ. ألَا يكفي هذه الطائفة من ظلم يلحق بها في مجال الوظائف العامّة وفي التمثيل النيابيّ وحتى التمثيل الوزاري؟. هذا الظلم غير مقبول لأنّ معظم هذه العائلات تعيش في زحلة منذ أكثر من خمسين عاما، ومنها منذ عام 1930، ومنهم من قام بخدمة العلم، وصدر المرسوم من دون استدعائهم وإبلاغهم عن أيّ خطأ في أوراقهم، ومع أنّ الأجهزة الأمنيّة قد تحقّقت من وجودهم في منازلهم، وإذ بقرار سحب الجنسيّة يصدر من دون تبليغهم، وفوجئوا بأسمائهم موجودة في الجريدة الرسميّة حتى لا يستفيدوا من المهلة القانونيّة للاعتراض، فهذه الطريقة هي طريقة سياسيّة، وليست طريقة أخلاقيّة ولا قانونيّة وليست عادلة…”

وعما توصّل إليه من خلال زيارته للمعنيّين لمتابعة هذا الأمر، أشار سفر إلى أنّ “وزير الداخليّة العميد مروان شربل وعدنا بمتابعة هذا الموضوع جدّيا، وطلب منّا تقديم شكوى إلى مجلس شورى الدولة لإبطال هذا المرسوم، وحتى يأخذ القضاء مجراه، ونحن بصدد تحضير الملفّات لتقديم دعوى للطعن بالمرسوم”.

يحمل هويّة لبنانيّة

أمّا جميل جرجس، وهو أحد الذين شملهم هذا المرسوم، فيستغرب كيف تصرّفت الدولة في شكل غير عادل ولا منطقيّ ولا قانونيّ، وهو الذي ولد في زحلة، ومقيم فيها مع عائلته التي يبلغ عدد أفرادها نحو 17 فرداً طاولهم هذا المرسوم كباراً وصغاراً، فوالده لبنانيّ وفق إحصائيّات 1939، ويحمل الهويّة اللبنانيّة واسمه كريم جرجس رقم سجلّه 827/107 وصادرة بتاريخ 23/1/1967.

وسخر جميل جرجس كيف أنّ هذا المرسوم شمله مع عائلته بشكل انتقائيّ، بينما شقيقاه جان وخليل بقيا لبنانيّين ومعترفا بجنسيتيهما اللبنانيّة، فيما لديه شقيق آخر نال أخيرا حكما بحقّه في الحصول على الجنسيّة، وهذا دليل إلى لبنانيّة العائلة وحقّها في الجنسيّة.

الفنّان يعقوب جرجس

ويستغرب يعقوب جرجس، وهو معروف في الوسط الفنّي كمطرب يحيي السهرات والحفلات، وصاحب أملاك وكسّارات، ومن أشهر العاملين في مجال تجارة وحدادة ودهان السيارات في البقاع، كيف شمله هذا المرسوم من دون وجه حقّ، سائلا عن مصير أولاده والتزاماته المهنيّة، ومستغرباً كيف أنّ جنسيته الأصلية وفق المرسوم كانت تركيّة، وهو لا يعرف من تركيا إلّا الاسم. وتحدّى جرجس أن تطلب السلطات من السفارة التركيّة تقديم إثباتات تؤكّد أنّه من الجنسيّة التركيّة، أو أنّ لديه أصولا أو أقارب في تركيا.

وحال يعقوب جرجس لا تختلف عن حال مارلين يوسف عندس المولودة في لبنان، والتي مضى على وجود عائلتها فيه أكثر من أربعين عاما، ويعمل عدد من أهلها في السلك الرسميّ، ولا عن حال يوسف خليل عندس (أبو جميل) وولديه جميل وكارولين، وهو من فاعليّات زحلة، ومن الملّاكين والتجّار والمشاركين في أنشطتها الاجتماعيّة، وكذلك المربّي الفاضل موريس توما بو ريالي وابنته سهى، وهو (غير سريانيّ) قضى زهرة عمره مدرّساً في مدرسة الإنجيلية، وأُحيل أخيرا إلى التقاعد، ويشهد له الجميع بدوره في تربية جيل واعٍ ومثقّف وصل عدد من أبنائه إلى أعلى المراتب في الدولة وفي المناصب، فإذا به ينال مكافأة على دوره التربويّ، بسحب جنسيته اللبنانيّة لاعتباره من الجنسيّة السوريّة.

أمّا كابي نعمة المولود في المعلّقة والمقيم في زحلة، فصار وفق المرسوم من الجنسية السوريّة، وهو لا يعرف سوريا، وحتى أهله الذين هاجروا خلال الهجرات والاضطهادات التاريخيّة استوطنوا لبنان من دون المرور بسوريا كما غيرهم من السريان الذين لديهم أقارب يتوزّعون بين لبنان وسوريا.

وقد حمّل بعض السريان المسؤوليّة للأجهزة الأمنيّة التي أعدّت تقاريرها وتحرّياتها، ولم تكن عادلة ومنصفة، بل كيديّة، وطالبوا بالكشف عن مضمون هذه التقارير ومعاقبة المسؤولين في هذا الإطار.

… وكرّت السّبحة

والسّبحة تكرّ وتكرّ، والدولة بهذا المرسوم الجائر تساعد في نشوء مأساة اجتماعيّة إنسانية، وتسهم في تشتّت العائلات، ورَمي بعضها في المجهول، فما عمل الذين لديهم التزامات مصرفيّة وتجاريّة؟ ويؤكّد المطران سفر أنّ البعض الآخر ممّن شملهم المرسوم، وهم في بلاد الاغتراب، باتوا يخشون من العودة إلى لبنان حتى لا تجري مصادرة جوازاتهم في المطار، فيصبحون كحال “غوّار الطوشة” في فيلم الحدود ــ كما قال المطران ممازحاً.

جانجنيان: إجحاف وظلم

وأعرب عضو كتلة “نواب زحلة” النائب شانت جانجنيان لـ”الجمهورية”، عن تضامنه مع الإخوة السريان، مؤكّدا أنّه شارك في لقاءات في مقرّ حزب الاتّحاد السرياني، لمتابعة هذا الموضع الإنساني بعيداً من المزايدات الإعلاميّة”، مستغربا أن يطاول الإجحاف والظلم عائلات من السريان الذين كفاهم ما طاولهم من مجازر واضطهادات تاريخيّة مع الأرمن”. وأعلن “أننا لن نتوانى عن ملاحقة هذا الموضوع لدى الجهات المختصّة حتى يعود الحقّ إلى أصحابه، وسنواصل عملنا بالتنسيق مع حزب الاتّحاد السرياني والهيئات والفاعليّات السريانية في زحلة…”

رجل الأعمال طوني طعمة (من قياديّي 14 آذار) استنكر ما حصل مع عدد من عائلات زحلة السريانيّة، مؤكّداً “أنّ الجميع في المدينة مستاء”. أضاف: “أنا لا أعرف حتى الآن ما هي المقاييس التي اعتمدتها السلطات المختصّة لإصدار مثل هذا القرار بحقّ عائلات لبنانيّة باعتراف الهيئات الاختيارية ومصادقتها، لذا يجب على المعنيّين تجميد هذا المرسوم وإعادة النظر فيه، حتى يشعر هؤلاء أنّهم فعلا في دولة العدالة والمؤسّسات والقانون…”

بدورهم، رفض مخاتير زحلة بشدّة هذا المرسوم وأكّدوا لـ”الجمهورية” أنّ كلّ ما جرى سببه الفوضى التي تعصف بالمؤسّسات. ويستغرب مختار حيّ مار الياس ميشال مسعد، ومعه مختار وادي العرايش جورج حبشي، صدور مثل هذا المرسوم من دون العودة إلى رأي المخاتير الذين هم أكثر الناس معرفة بحال هذه العائلات، فيما طالب مختار حيّ الميدان الشرقيّ نبيل حجّار، حيث يقع مقرّ مطرانيّة مار جرجس للسريان الدولة بـ”ملاحقة هذا الموضوع بسرعة وإبطاله، حتى لا يتسبّب بكارثة اجتماعيّة، لأنّ المرسوم جائر ومجحف”.

“ضربة كفّ” لكلّ السريان

واعتبر الناشط في زحلة سليم ملو أنّ السريان تجذّروا في الأرض ودافعوا عن كرامة زحلة وعن لبنان الحرّ المستقل، فلا يجوز إلحاق الظلم ببعض أبنائهم لغايات ربّما سياسيّة”. وقال: نعتبر ما جرى “ضربة كفّ” لجميع السريان في لبنان وبلاد الاغتراب، لأنّ الذين طالهم المرسوم ليسوا لبنانيّين أكثر من عشر سنوات، بل أكثر من خمسين عاما، وهم من المواطنين الصالحين الذين يقومون بواجباتهم تجاه الدولة، يدفعون الضرائب والرسوم، ومنهم عدد من الموظفين في الملاكات الإداريّة والعسكريّة، وساهموا في إنعاش زحلة ولبنان اقتصاديّا وصناعيّا وما زالوا…”

موضوع سحب الجنسيّة من عائلات سريانيّة في زحلة يتفاعل في الأوساط السياسيّة والشعبية، بحيث باتت هذه العائلات – وفق أحد الفاعليّات الزحليّة السريانيّة – كأنّها وقعت ضحيّة مبدأ 6 و6 مكرّر، فكانت” كبش محرقة” في مسار تسوية و”صفقة”، وُضعت خطوطها الأولى منذ العام 2004، لتنفّذ عام 2011.

http://www.aljoumhouria.com/articles/print_article/18795

Advertisements
Categories: Press Articles
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: