Home > Press Articles > ضحايا نزع الجنسية سريان زحليون لبنانيو المولد والهوى هُجر أهلنا من تركيا ولبنان يهجرنا اليوم ويعدمنا

ضحايا نزع الجنسية سريان زحليون لبنانيو المولد والهوى هُجر أهلنا من تركيا ولبنان يهجرنا اليوم ويعدمنا

النهار 2/12/2011

لم يهدد نزع الجنسية عن عائلات زحلية من الطائفة السريانية الارثوذكسية مصير ثلاثة اجيال من تلك العائلات، بل ان المرسوم الرقم 6691، الذي كان يبتغي اعادة الاعتبار الى الجنسية اللبنانية بسحبها من غير مستحقيها، جاء ليضعف اكثر الانتماء الى الدولة والثقة بها، معززاً في المقابل الهوية الطائفية وشريعة القوي والخطاب الفئوي.
مسيحياً كان ينتظر من اعادة النظر في مرسوم التجنيس الرقم 5247، تصحيح الخلل الديمغرافي الطائفي الذي احدثه المرسوم الصادر عام 1994، ليجد المسيحيون ان اللغم انفجر في احضانهم، فيما الشكوى قائمة من التغيير الذي احدثه مرسوم التجنيس في وجه عدد من البلدات المسيحية في قضاءي زحلة والبقاع الغربي، التي تحول فيها المسيحيون أقلية. لا يفهم اهالي زحلة كيف ان عائلات “ماردينية”، نسبة الى ماردين التي قدموا منها على دفعات بعد “موجة المذبحة” اي مجازر السلطنة العثمانية بالارمن والسريان والاشوريين، والتي استوطنت في زحلة منذ 60 عاماً على الاقل، واسهمت في اعمار المدينة وتمددها، وبات لها تمثيل في المجلس البلدي عن حي السيدة الذي استحدث ايام الرئيس الياس الهراوي، تنزع عنها جنسيتها بتهمة التزوير والغش. جرى ذلك فيما عائلات من “العشائر العربية” حازت الجنسية اللبنانية بعدما قيّدت نفوسها في قيود اقدم احياء مدينة زحلة واساس نشأة المدينة، وهي لا تقطن في النطاق البلدي للمدينة التي تنتخب مجالسها البلدية من دون ان تفيد من خدماته!
سريانيا، هناك شعور عام بان الدولة تتعامل معهم كجالية، وبان السريان “يدفعون الثمن لانهم الحلقة الاضعف، لا تمثيل نيابياً لهم ولا وزارياً ليدافع عن قضاياهم، ولا مرجعية الا رئيس الطائفة”.

تصحيح ام 6 و6 مكرر؟

الشعور بالاجحاف، له مبرراته التي تتعدى الطائفية والفئوية، في ظل اخطاء كثيرة شابت مرسوم نزع الجنسية، تظهر ان التصحيح ليس مسألة تحقق من ملفات شخصية، بل اقرب الى تطبيق قاعدة 6 و6 مكرر:
ضمن العائلة الواحدة، نزع المرسوم الجنسية عن اشقاء ولم يسحبها من اشقائهم الآخرين، ومن بين هؤلاء من لا يقيم في لبنان، ويملك جنسية او اكثر غير لبنانية ولا يزال يحتفظ بجنسيته اللبنانية، بينما اشقاء له يعيشون في لبنان ولهم املاك ومصالح اقتصادية ويدفعون الضرائب، وابناؤهم ادوا خدمة العلم، وتطوعوا في الدرك والامن العام والجمارك وبينهم ملازم اول في الجيش، نزعت عنهم الجنسية الوحيدة التي يحملونها.
معظم ارباب هذه العائلات السريانية التي نزعت عنها الجنسية على انها من اصول تركية، ولدوا في لبنان ولم يطأوا يوما ارض تركيا التي لا يجمعهم بها اي رابط. هم لا يحملون حتى “القضية الماردينية”، وسريانيتهم، هي انتساب لواحدة من الطوائف اللبنانية، واللغة السريانية لا تستخدم الاّ في القداس. ثم ان نزع الجنسية عن العائلات السريانية من اصول تركية، مست بأحد ابرز مقومات نشوء لبنان في الوعي الجماعي. فاغفلت الدولة ان تلك العائلات السريانية، انما نزحت عن تركيا هرباً من اضطهاد ديني ومن التضييف عليها كاقلية، ولجأت الى لبنان بلداً مسيحيوه شركاء في السلطة، والسريان اجتهدوا في ارضهم الجديدة، وحوّلوا خراج مدينة زحلة التي سكنوها بساتين غنّاء، فمدينة صناعية، ومن ثم الى حي السيدة حيث بنوا كنيسة لها في حيّهم. انه عمر باكمله حكايتهم اللبنانية، لهؤلاء الرجال في عقدهم الستين، ممن قابلناهم من ارباب العائلات على لائحة منزوعي الجنسية. “من لا شيء اسسنا حياتنا، ولم نكن يوماً عالة على المجتمع”.
ولد يعقوب جرجس شوكي في لبنان منذ 57 سنة، قضى 47 سنة منها يكدّ في سوق العمل. بدأ العمل منذ العاشرة من عمره، واصبح “معلم بلاط”، أسس عائلة مؤلفة من 5 بنات زوّج اربعاً منهن.
جليل مراد، البالغ من العمر 53 سنة، ولد في لبنان. استثمر جنى عمره من عمله مزارعاً في تعليم اولاده الاربعة. اثنان من ابنائه حازا شهادة ادارة اعمال من جامعات خاصة. الابن البكر، البالغ من العمر 30 سنة ادى خدمة العلم في الجيش اللبناني، ويعمل موظفاً في شركة في بيروت، والثاني في الرابعة والعشرين، ترافقت فرحة اجتيازه المرحلة الاولى من امتحانات التطوع لمفتش في الجمارك مع صدمة انتزاع الجنسية منه.
قدم ميشال ملكي عبد الاحد الى لبنان، عندما كان في السادسة من عمره، برفقة اهله من بنابيل في تركيا حيث تعرض اثنان من اعمامه للذبح. الرجل الذي يؤكد ان لا اسم له في سجلات الدولة التركية، ولا يعترف ببلد له الا لبنان الذي لم يغادره يوما، حتى لزيارة ثلاثة من اولاده الذين يعيشون في بلاد المهجر، لانه “خارج لبنان كالسمكة خارج الماء”، عمل في الزراعة، واقتنى بجهده مبنيين احدهما في ارقى احياء المدينة واحدثها.

الخبر الصدمة

هي ليست الاعوام السبعة عشر التي حملوا فيها الجنسية التي جعلت منهم لبنانيين، بل نشأتهم وذكرياتهم وكفاحهم في هذا الوطن. ارادوا من الجنسية “اعترافا من الدولة بهذا الانتماء” الذي استحقوه بعرق جبينهم، بمساهمتهم في انماء مجتمعاتهم وتطويرها، برابطة دم شهدائهم الذين سقطوا في الحرب يوم شكلت المدينة الصناعية خط الدفاع الاول عن زحلة. ناضلوا ليقوا ابناءهم ما خبروه من ذلّ التنقل باوراق تعريف صادرة عن كاهن الرعية، والخضوع للابتزاز الذي تعرضوا له لقاء وعد بتأمين هوية. ارباب تلك العائلات الذين خبروا منحهم الجنسية في عهد الرئيس كميل شمعون، ليتبين بعدها انها غير معترف بها، كان في ظنهم ان افضل هدية قدموها الى أولادهم، ما لم يوفره لهم اهلهم، اوراق ثبوتية وشهادة جامعية تفتح لهم آفاق المستقبل. وما بين ليلة وضحاها، ومن دون سابق انذار فوجئوا بان التاريخ يكرر نفسه. تبلغ يعقوب شوكي نزع جنسيته من المختار الذي دعاه الى الحضور الى مكتبه حيث ابلغه بـ”خبر مؤسف”، اغرقه في الضحك من شدة الصدمة: باي حق يقولون له بأنه ليس لبنانيا؟ بشطبة قلم ينكرون عليه عمره وشقاه وجناه الذي استثمره في لبنان؟ شبّه نفسه بالسجين الذي قال، خلال اقتياده الى الاعدام، الله ينجيني من الأعظم. فقالوا له هل هناك اعظم من الاعدام؟ فاذا اذعن هو لمصيره، في حين لم يبق من العمر اكثر مما مضى، كيف سيسمح بهذا الاجحاف في حق اولاده؟ “لو كنت اعرف انه في نهاية المطاف سينالون من مستقبل اولادي لكنت اسست لهم مستقبلاً في بلد آخر”.
جليل لبى الدعوة الى اجتماع في الكنيسة حيث تبلغ الخبر الذي ابقاه مذهولاً غير قادر على الكلام، ليصف اليوم القرار بأنه “اعدام”. ويشعر بأنهم اهانوا كرامته: “لقد سحبوا اعترافهم بلبنانيتي، الانسان من دون هوية ماذا يكون؟ ما الذي يثبت بأني أنا جليل مراد؟” ويضيف: “لو كانت لدي الجنسية التركية لكنت عدت الى تركيا ومن هناك تدبرت امري للسفر الى اوروبا. لكن تركيا لا تعترف بي”. ويكمل: “عندما سيعمم القرار على الدوائر لن اتمكن من قيادة سيارتي في زحلة. لم يظلموا اولادي فحسب، بل اعدموهم وكرسحوا مستقبلهم ومخططاتهم. سيفقد ابني وظيفته، وسيخسر الثاني فرصته بان يصبح مفتشاً في الجمارك. ما هي الجريمة التي ارتكبناها ليعاملونا هكذا”؟
جليل كما يعقوب وميشال، اتيحت لهم فرص الهجرة الى بلجيكا واسوج، وحتى اوستراليا التي فتحت ابواب الهجرة للسريان عام 1985، لكنهم آثروا البقاء في البلد الذي حاكوا فيه تفاصيل حياتهم.
بسخط تلقت ابنتا ميشال عبد الاحد المتزوجتان واللتان تعيشان مع عائلتيهما في اسوج خبر نزع الجنسية. يلمن أهلهن لأنهم رفضوا اللحاق بهما الى اسوج ليكتسبا الجنسية الاسوجية. 50 سنة قضاهما والدهما لبنانيا، لم تحسبهما الدولة اللبنانية له، واحتسبت عليه 6 سنوات قضاهما قاصراً في تركيا. وهما، بعد سنتين من اقامتهما في اسوج، حصلتا على جنسية البلد الاوروبي، فيما لبنان مسقط رأسيهما، الذي اقتنيتا فيه شقتين لقضاء العطلة والابقاء على الروابط به، حلّ هو هذا الرابط…
لذلك ترى زوجة ميشال انه “قرار تهجير، لدفعهما ليلحقا بابنتيهما الى اسوج او بابنهما في النمسا”. لكن ميشال، الذي حرث الارض وكافح عوامل الطبيعة، عنيد ويكيل للدولة اللبنانية النعوت التي يرى انها تستحقها لازدرائها لبنانيته: “يريدون ان يعيدونا الى تركيا التي ذبحتنا؟ فشروا انا لبناني اكثر منهم ببطاقة هوية ومن دونها، ولا احد يستطيع ان يقتلعني من هنا”.
لا لبس لدى اولاد تلك العائلات حول هويتهم “انا لبناني”، “انا لبنانية”. طوني شوكي يعتبر ان “اللبنانية ليست بطاقة هوية انها في العقل وفي القلب”، وقد افتتح على فايسبوك صفحة “اعيدوا لي الجنسية اللبنانية التي سرقتموها”. لقد تغيرت نظرتهم الى الدولة اللبنانية كسلطة جرّدتهم من مواطنيتهم، فباتوا يكابدون كل يوم السؤال: “انتم مجنسون؟”.
حبل النجاة الوحيد لتلك العائلات هو مجلس الشورى، يأملون من القضاء ان يعيد اليهم ما سلبته منهم السياسة. والى ان يصدر الحكم سيبقى مستقبلهم معلقاً، وفي شوق الى امان فقدوه. لكنهم يؤكدون أنهم “سيكافحون، لأن ليس لنا موطن في الارض سوى لبنان”.

http://www.annahar.com/print.php?table=main&type=main&priority=7&day=Fri&kind=article

Advertisements
Categories: Press Articles
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: