Home > Press Articles > عباس وزمن وعمر يتمنون نهايات سعيدة: اللاجئون أيضاً يحلمون

عباس وزمن وعمر يتمنون نهايات سعيدة: اللاجئون أيضاً يحلمون

الاخبار، 28 أيار 2012

قصص معاناة اللاجئين هي الراسخة في أذهاننا. نعرف معاناتهم لدى اجتياز الحدود، وما يتعرضون له في البلاد التي تستقبلهم. لكننا ننسى أحياناً أنّ هؤلاء كانت لديهم حياة يعيشونها في بلادهم، مليئة بالأحلام والطموحات، إلى أن دهمتهم الحرب واقتطعتهم من محيطهم

زينب مرعي

بين كومة من قصص اللاجئين عن الفقر والمعاناة والمخاطرة، تبرز قصص من نوع آخر. قصص عن مواطنين عاديين، كانت لهم أحلام وطموحات ومواهب، لكن الوضع الأمني في بلادهم قضى عليها، أو هو في أحسن الأحوال، يؤجّلها. عمر إدريس، عباس يونس وزمن مطشّر، ثلاثة شبّان رسوا مؤقتاً في لبنان. من دون أوراق تقرّ بشرعيّة وجودهم في الأراضي اللبنانية، لا يشعر الشبّان بالأمان، ما يرسم حدوداً أخرى لطموحاتهم التي نبتت في أماكن ضحلة. مع ذلك، يحاول كلّ منهم أن يطوّر مهاراته في لبنان، أو صالة الانتظار الكبيرة.

على أحد جدران غرف مركز دعم اللاجئين في «مؤسسة عامل»، صورة لعصفور يغرّد على شجرة. الصورة رسمها الشاب العراقي زمن مطشّر. في حياته اليوميّة، ابن السادسة والعشرين يتأرجح بين البطالة والعمل في التنظيفات في أفضل الأوقات. لكن في الجزء الخاص من حياته، هو يطمح إلى امتلاك استوديو تصوير خاص به، إضافة إلى أنه يرسم. استحوذت الفنون البصريّة على اهتمام مطشّر الذي بدأ الرسم في بيروت. يقول: «في العراق لم أكبر في بيت أو أجواء ثقافية تدعم الفنّ. لكن منذ وصولي إلى بيروت، كلّ من حولي يشجّعني على أن أمضي في الرسم». ارتاد بعدها صفوفاً للرسم في «المعهد الثقافي الروسي» و«مؤسسة عامل» ليطوّر موهبته. وإذا كان مطشّر قد بدأ الرسم في بيروت، فإن الكاميرا كانت صديقته منذ الأيام البغداديّة. كان يصوّر في بلاده وفي انتقاله إلى لبنان. يقول إنّ فنّه اكتسب قضيّة. من هنا صوّر فيلماً وثائقياً قصيراً عنوانه «لاجئ بامتياز»، بميزانية تقترب من الصفر، عن حياة أصدقائه وحياته.
زمن مطشّر ليس وحده من يكابد من أجل حياة في اللجوء تتسع لطموحاته. فعمر إدريس يناضل من أجل حلمه بين دوام عمل وآخر. مع ساعات الصباح الأولى، أو مساءً بعد انتهاء دوام عمله، يقصد إدريس الروشة ليطلق العنان لرجليه. إدريس، الذي لم يكن لديه سوى رجليه أيضاً ليهرب من ضيعته في دارفور، كان لاعب «جمباز». وعندما خرج من بلده اكتشف أنّه يريد أن يكون عدّاءً محترفاً. يحدّد إدريس لنفسه برنامج تدريب صارماً، يركض فيه أربعة أيام في الأسبوع. الأحد يركض 23 كلم، الثلاثاء 13 كلم، الخميس 17 كلم، والجمعة 6 كلم. عام 2010 ظهرت موهبة إدريس لأوّل مرّة على الملأ حين شارك لأوّل مرة في ماراثون بيروت وحلّ في المركز التاسع. ثم برز اسمه إثر المشكلة التي طاولته في ماراثون صيدا الشهر الماضي (راجع الأخبار العدد 1690). اليوم استطاع إدريس أن يشارك في تمارين «جمعية ماراثون بيروت». لكن بعيداً عن حلبة الركض، وفي انتظار رحمة تأتيه على شكل ورقة إعادة توطين، ستجد إدريس يوماً في مئزر عامل التنظيفات، وفي يوم آخر عاطلاً من العمل. في الرابعة والعشرين من عمره لا يقف طموح إدريس عند حدود الرياضة، يريد أن يعود إلى مقاعد الدراسة أيضاً. يحلم بأن يدرس الـ«مايكرو ميكانيك» في الجامعة. لكنه في لبنان غير قادر حتى على تقديم امتحان الـ«toeffel»، فهو إن كان يعرف بأيّ غطاء يتلحّف اليوم، فهو لا يعرف أين سيضع رأسه في الغد. لرنّة كلّ قرش هنا أهميّتها، وإدريس لا يستطيع أن يدفع لامتحانه، بينما لا يعرف إن كان سيكون هنا لتلقي النتيجة.
هذه المشكلة تؤرق مضجع اللاجئين جميعاً. ففي غرفة الانتظار لا يمكنك أن تفرش أغراضك؛ لأنك لا تعرف في أية لحظة تُستدعى. هكذا، ولو أنه مرّت سنوات على وجود بعض الشبان في لبنان، إلا أنّهم مكبّلو الأيدي. أولاً بسبب عدم امتلاكهم الأوراق اللازمة لشرعنة وجودهم على الأراضي اللبنانية، وثانياً لأنّهم لا يعرفون في أيّة لحظة يطلب منهم الرحيل. هكذا، لا يزال عباس يونس، اللاّجئ الأفغاني، معلّقاً أيضاً. في خياله صورة لكرة أرضيّة بتصميم خاص به، رسمه بدقّة على ورقة يحتفظ بها لينفذه بعدها على سجّادة. لكن يونس يقول إنّ التصميم يتطلّب منه على الأقلّ جهد ثلاثة أشهر ليصبح واقعاً، فضلاً عن أنّه سيحتاج إلى مواد كثيرة للتنفيذ، فيخاف أن يبدأ مشروعه هنا ولا ينهيه. يونس،الأصغر بين اللاجئين الثلاثة، عرف قصّة اللجوء الأصعب. في التاسعة عشرة من عمره فقط، تنقّل بين أربعة بلدان، دخلها جميعها خلسة، هرباً من الأوضاع الأمنيّة في بلده الأمّ وبحثاً عن مكان يستقبله ويعطيه إمكان عيش حياة عاديّة. من أفغانستان إلى إيران ثم تركيا وسوريا فلبنان. في الرابعة عشرة من عمره، بدأ يونس رحلة اجتياز الحدود الخطرة، تعلّم في إيران صناعة السجّاد التي أصبحت مهنة يحبّها. لكنه التقط عن الطرقات ميزة أخرى، لا يبدو أنّه متنبّه إليها، هي اللّغات العدّة التي أصبح يتكلّمها بطلاقة: التركيّة، الفارسيّة، الهندية، البشتو، الداري، العربية وهو اليوم يتعلّم الإنكليزية في «مؤسسة عامل». يعيش في منزل صديق له يوفّر له عملاً في تصليح السجّاد في المنزل، وهو أيضاً يخيط سجادات صغيرة، بما أنّه لا يستطيع العمل في محل يمكن أن تصطاد القوى الأمنية فيه العاملين الأجانب. كي ينفّذ منحوتاته الصغيرة، طلب يونس من نجّار أن يصنع له «السلّم الخشبي الصغير» لينفّذ السجّاد عليه، بينما كانت تساعده «مؤسسة عامل» في دفع ثمن الخيطان والأغراض التي يحتاج إليها ليعمل. في هذه السنّ لا يتمنى يونس الكثير، كلّ ما يريده هو أن يمارس صنعته في بلد يسمح له بأن يرسم بخيطانه كرته الأرضيّة.


مؤسسة عامل

 

يسهم مركز دعم اللاجئين «مؤسسة عامل»، في تطوير قدرات اللاجئين وإعادة الثقة إليهم، وهو يعطيهم فسحة صغيرة للاستقلاليّة. فاللاجئون الثلاثة، عمر إدريس، عباس يونس وزمن مطشّر، كما كثيرون غيرهم من اللاجئين، تعلّموا العربية أو الإنكليزية في المؤسسة، كذلك فإنّهم يرتادون فيها صفوف الـ«مايكرو بيزنس»، بالإضافة إلى صفوف التصوير والمسرح والكمبيوتر… وتنظّم المؤسسة دورات محو أميّة للاجئين، وتموّل أعمالهم الصغيرة. إضافة إلى أن المؤسسة تشكّل مساحة عرض لأعمال اللاجئين ونتاجهم، وهي تنظّم مسابقات لتحفيزهم على العمل حتى يحين موعد رحيلهم

http://www.al-akhbar.com/print/94092

Advertisements
Categories: Press Articles
  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: